الصفحة 81 من 146

وشى بي واشٍ في بلد الله الحرام

أكله إلى الله تعالى.

-ابن جبير-

قال خصيف يومًا: كان أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير) [1] .

تلك شهادة عالم حصيف هو الشيخ خصيف ... في إمامنا الممتحن.

كان ابن جبير من الذين يناوئون حكم عبد الملك بن مروان، لإساءة الأخير في حكم الرعية المسلمة، ولوقوع مظالم في عهده.

وكان الحجاج بن يوسف، فاسق بني ثقيف، واليًا لعبد الملك، يأخذ بالشبهات، ويتحرى المناوئين في جميع البلاد الإسلامية، لحكم أميره وسيده .. فيصب المحن عليهم، دون هوادة، ولا خوف من الله، المقتدر الجبار، وكان خالد بن عبد الله القسري واليًا على مكة المكرمة- زادها الله مثابة وأمنا- وقد علم بوجود ابن جبير في ولايته، فألقى القبض عليه، واعتقله، ثم أراد أن يتخلص منه، لمعرفته بأن سعيدًا، قد أوتي لسانًا ناطقًا، وقلبًا حافظًا، وسرعة بديهة بإلقاء الحجة القوية لإسكات خصمه. إذ هو ليس من أولئك الذين يخشون رهبة حاكم، ولا بطش سلطان في سبيل معتقده غير مبال بالنتائج مهما كانت. ودفعًا للوقوع في لجة المخاصمة وخضم المنافسة التي لا تضمن نصره وخوفًا من مس شعور أهل مكة. الذين يدينون بالولاء والاحترام لابن جبير، أرسله مخفورًا مع إسماعيل بن واسط البجلي، إلى الحجاج بن يوسف.

وهنا تبدأ المحنة، ثم تشتد صورتها مع لقاء الحجاج طاغية العراق، وفي هذا اللقاء، غير الكريم، جرت المناقشة والمخاصمة الفكرية، كان سعيد فيها فارس الميدان، وصاحب لواء النصر والظفر، حيث كان فيها جريئًا، لا تلين قناته، صلبًا لا يضعف سيف لسانه، يقول الحق، وهو يعلم أنه مفارق الدنيا، بسبب ذلك.

(قال الحجاج: ما اسمك؟

سعيد: سعيد بن جبير.

الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.

سعيد: بل كانت أمي أعلم باسمي منك.

الحجاج: شقيت أمك وشقيت أنت.

سعيد: الغيب يعلمه غيرك.

الحجاج: لا بد لك بالدنيا نارًا تلظى.

سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.

الحجاج: فما قولك في محمد؟

سعيد: نبي الرحمة وإمام الهدى.

الحجاج: فما قولك في علي أهو في الجنة أم هو في النار؟

سعيد: لو دخلتها وعرفت من فيها، عرفت أهلها.

الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟

سعيد: لست عليهم بوكيل.

الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟

سعيد: أرضاهم لخالقي.

الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟

سعيد: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.

الحجاج: أحب أن تصدقني.

سعيد: إن لم أحبك لن أكذبك.

الحجاج: فما بالك لم تضحك؟

سعيد: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأكله النار.

الحجاج: فما بالنا نضحك؟

سعيد: لم تستو القلوب.)

ذلك هو المشهد الأول من هذه المناقشة، أو قل الفصل الأول من المحنة، وقد بدا فيها الحجاج أنه غير قادر على إخضاع سعيد إليه، أو حمله على إعطاء الولاء لأميره وسيده، ولو بالإشارة أو التلميح .. ولم ينفعه التهديد بالقتل، كما لم تفده غلاظة الكلام، وقبح الاتهام ..

وهنا يسلك الحجاج طريقًا آخر، لعله يصل فيه إلى ما يريد ويحصل على مبتغاه من سعيد.

(ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه، فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء للدنيا إلا ما طاب وزكا) ..

(1) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي 82، ووفيات الأعيان 2/ 372، وسير أعلام النبلاء 4/ 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت