ومن ذلك مناقشته وتحقيقه حين كان في الكوفة بعد أن بلغ الصادق وصيته لأهله (قال المنصور: أنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وفسادك على أهل البيت من بني العباس، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد، وما تبلغ به ما تقدره) .
فقال الإمام الصادق، والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئًا من ذلك: هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر، فوالله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عني شيء مع جفائهم الذي كان لي، وكيف أصنع هذا الآن وأنت ابن عمي، وأمس الخلق بي رحمًا، وأكثر عطاء وبرًا، فكيف أفعل ذلك، فأطرق المنصور ساعة ..
ثم قال: يا جعفر ما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل وتشق عصى المسلمين؟ تريد أن تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء؟ ..
قال الصادق: لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت، ولا هذه كتبي ولا خطي لا خاتمي -كان المنصور قد أخرج له كتبًا إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض البيعة.
فانتضى من السيف ذراعًا فما زال يعاقبه وجعفر يعتذر إليه، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال أظنك صادقًا) [1] .
هذه أجوبة الصادق برقتها وصدقها، وذاك كلام المنصور بخشونته وقسوته وكل منهما يعتز بسلطان يعتمد عليه.
فإمامنا الصادق يعتز بسلطان الله الذي يغلب كل سلطان ولو بعد حين:
والمنصور يعتز بسلطان الحكم وقوة الجند. وهو زائل ولو بعد حين وما أن انتهت مسألة الخروج خروج الأخوين الكريمين: انتهت حتى استدعى المنصور الإمام جعفر من المدينة المنورة، مرة أخرى إلى بغداد.
فكتب إلى واليه وابن عمه داود بن علي أن يسير إليه جعفر بن محمد ولا يرخص له في التلوم (التمكث) والبقاء وكان القصد من ذلك، هو التحقيق معه في التهمة الموجه إليه بأنه يجمع الزكاة من جميع الآفاق وأنه مد بها محمد بن عبد الله بن الحسن فكان التحقيق التالي.
(المنصور: يا جعفر ما هذه الأموال التي يجيبها لك المعلى بن خنيس؟) [2]
الصادق: معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين.
المنصور: ألا تحلف على براءتك من ذلك بالطلاق والعتاق؟
الصادق: نعم أحلف بالله أنه ما كان شيء من ذلك.
المنصور: بل تحلف بالطلاق والعتاق.
الصادق: أما ترضى بيميني بالله الذي لا إله إلا هو.
المنصور: لا تتفقه عليّ.
الصادق: وأين يذهب الفقه مني؟
المنصور: دع عنك هذا فإني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عليك هذا حتى يواجهك. فأتوه بالرجل وسألوه بحضرة جعفر فقال نعم هذا صحيح. وهذا جعفر بن محمد الذي قلت فيه ما قلت:
الصادق: أتحلف أيها الرجل أن الذي رفعته صحيح؟
الرجل: نعم: ثم ابتدأ باليمين فقال: والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب الحي القيوم.
الصادق: لا تعجل في يمينك فإنني أستحلفك.
المنصور: ما أنكرت من هذا اليمين؟
الصادق: إن الله تعالى حي كريم يستحق من عبده إذا أثنى عليه أن يعاجله بالعقوبة لمدحه له ولكن قل أيها الرجل: أبرأ إلى الله من حوله وقوته وألجأ إلى حولي وقوتي لصادق بر فيما أقول.
المنصور: احلف بما استحلف أبو عبد الله به.
(قال راوي هذا الخبر فحلف الرجل بهذه اليمين، فلم يستتم الكلام حتى خر ميتًا فراع المنصور وارتعدت فرائصه، وقال للصادق يا أبا عبد الله سر من عندي إلى حرم جدك إن اخترت ذلك، وإن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبك، فوالله لا قبلت قول أحد بعدها أبدًا) .
(1) [ص110 الإمام الصادق لمحمد بن الحسين المظفري وص44 الإمام الصادق لأبي زهرة ذكرها الأستاذ باختصار] .
(2) [المعلى بن خنيس مولى الإمام الصادق] .