ولعل من المناسب إعادة ذكرها هنا لتسلسل الموضوع (أرسل إليه أبو جعفر بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية، وكان عبد الملك بن حميد وزيره .. فقال لأبي حنيفة عندما رفضها: أنشدك بالله أن أمير المؤمنين يطلب عليك علة فإن لم تقبل صدق على نفسك ما ظن بك فأبى ... ) [1] .
وحين أراد المنصور أن يحرج أبا حنيفة ويتخذ من رفضه لمنحه وعطاياه ممسكًا أرسل إليه وقال له: (فلم لا تقبل صلتي فقلت(أي قال أبو حنيفة) ما وصلني أمير المؤمنين في ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبلته إنما أوصلني أمير المؤمنين من بيت مال المسلمين ولا حق لي في بيت مالهم، إني لست ممن يقاتل من ورائهم، فآخذ ما يأخذه المقاتل، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذ الولدان، ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذه الفقراء ... ) [2] .
ثم هاك سببًا آخر.
لقد مر بنا أن إمامنا الممتحن، أبان وجهة نظره في قتال أهل الموصل. وكان جوابه ذاك الذي أغاظ المنصور، فأسرها في نفسه واحتفظها عنده. وهنا برر للمنصور سببًا آخر وطلبًا قد يكون وجيهًا، وذريعة ظنها محكمة ليجعل منها في إنزال المحنة بإمامنا الجليل، والمنصور يعلم مسبقًا أن طلبه مردود عليه أيضًا.
ذلك هو توليه رئاسة القضاة في الدولة الإسلامية، فإن امتنع أخذه بهذا المنع، جهرة وأمام الناس، ملتمسًا بذلك عذرًا عند العوام -وهم سواد الناس- الذين لا يدركون بواطن الأمور ولا دوافع المطالب، مطالب الحكام، ثم إن أبا حنيفة وهو شيخ الفقهاء في العراق، وهو بحر في العلم لا تكدره الدلاء، فمن الصواب أن يكره على تولي القضاء لرفع منار العدل والحق في إرجاء الدولة، وليس في الإكراه ظلم ظاهر عند العوام ... وإن رضي بهذه التولية تم الصلح بينهما وحسم النزاع، وآمن الإنكار، وانتهت المناوأة، وأنى له عند ذاك أن ينكر ويناوئ ويعترض وقد أصبح من رجالات الدولة، ومن المسؤولين في الحكم والمشتركين فيه.
بهذا سولت للمنصور نفسه، فأقدم عليه بحزم.
استدعى المنصور أبا حنيفة وعرض عليه تولي هذا المنصب الخطير، فامتنع وأعرض ولنسمع الحادثة من إمامنا نفسه:
( .. إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته أني لا أصلح، وأني لا أعلم أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك، وعلى ولدك وقوادك، وليست تلك النفس لي، إنك لتدعوني فما ترجع نفسي حتى أفارقك) [3] .
وجاء في هذا الرفض في مجلس آخر عن الربيع بن يونس: (رأيت أمير المؤمنين ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول له: اتق الله ولا تدع أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق. لك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك فلا أصلح لذلك، فقال: كذبت أنك تصلح. فقال: قد حكمت على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضيًا على أمانتك كذابًا [4] ؟
وهنا حصل المنصور على ما يريد، ونال ما بيت في نفسه، فأنزل به المحنة ... أذكرها بروايتها كما رويت في كتب المناقب.
روي عن داود بن راشد الواسطي، أنه قال: (كنت شاهدًا حين عذب الإمام ليتولى القضاء، كان يخرج كل مرة فيضرب عشرة أسواط حتى ضرب عشرة ومائة سوط، وكان يقال له: اقبل القضاء، فيقول: لا أصلح فلما تتابع عليه الضرب؟ قال خفيًا:(اللهم أبعد عني شرهم بقدرتك) فلما أبى دسوا عليه السم فقتلوه) [5] .
(1) [راجع فصل العلماء ومنح الحكام] .
(2) [ص215 جـ1 المناقب لأبي طالب المكي] .
(3) [ص215 جـ1 المناقب للمكي] .
(4) [ص328 جـ13 تاريخ بغداد] .
(5) [ص328 جـ13 تاريخ بغداد] .