الصفحة 89 من 146

(وروي أن أبا جعفر المنصور حبس أبا حنيفة على أن يتولى القضاء ويصير قاضي القضاة فأبى حتى ضرب مائة وعشرة أسواط وأخرج من السجن على أن يلزم الباب) [1] .

(وروي أن المنصور حبسه وضيق عليه مدة، وكلم المنصور بعض خواصه فأخرج من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل، فكانت تلك حالته إلى أن توفي) [2] .

تلك محنة الإمام أبي حنيفة، منعًا عن التدريس والإفتاء. وإقامة جبرية في الدار، وضربًا بالسياط، وحبسًا في السجن ثم قتلًا بالسم إن صدقت الرواية، كل ذلك لأنه أبى أن يساير الحكام في أهوائهم وأن يوافق على أعمالهم وأن يستجيب لطلباتهم ... وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في كل حين إن كانوا علماء حقًا ...

( .. مات أبو حنيفة كما يموت الصديقون والشهداء وكان ذلك سنة 150هـ وكان في الموت راحة لذلك الضمير المضيء ولذلك الوجدان الديني المرهف، ولذلك القلب القوي، ولذلك العقل الجبار، ولتلك النفس الصبور، التي لاقت الأذى فاحتملته، لاقته من المخالفين له في الآراء ورميت في كل رمية، فتحملتها مطمئنة راضية مرضية، ولقيت الأذى من السفهاء ثم لقيته من الأمراء والخلفاء.

وما ضعفت وما وهنت، وإذا كان للنفوس جهاد، ولجهادها ميادين، فأبو حنيفة رضي الله عنه كان أعظم أبطال ذلك النوع من الجهاد، وممن انتصر في كل ميادينه.

وكان جلدًا في جهاده قويًا في جلاده، حتى وهو يلفظ النفس الأخير فهو يوصي بأن يدفن في أرض طيبة لم يجر عليها غضب، وألا يدفن في أرض اتهم أمير بأنه غصبها حق يروى أن أبا جعفر عندما علم ذلك قال: (من يعذرني من أبي حنيفة حيًا أو ميتًا [3] .. ) .

وبموته رضي الله عنه انتهت محنته ثم تتابعت المحن تنزل بأقرانه من أئمة المسلمين ...

(1) [ص18 جـ2 المناقب لأبي البزازي] .

(2) [ص15 جـ2 المناقب لأبي البزازي. مات رضي الله عنه سنة 150هـ وله من العمر 70 سنة.

(3) [ص51 أبو حنيفة لأبي زهرة.

ليس من العدل الذي أوجبه الإسلام على الحاكم أن يؤاخذ العالم لطلب يرفضه أو لرأي يبديه، ولو كان يتعلق بوجوده حاكمًا على البلاد، لأن إبداء الرأي من حق الأمة وفي مقدمتهم العلماء والمنصور يعلم هذا، لذلك لم يجرؤ أن يؤاخذ إمامنا النعمان على كل ما يبديه ولكنه التمس أسبابًا للنيل منه، وتلك إساءة بليغة وجرم عظيم يبوء المنصور بأثمها وعليه وزرها، ولو أنه حقق للإسلام في جوانب عدة ما حقق من نشر له في الأرض ورفع لواء الإسلام في العالم] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت