سئل عن الخارجين على الحكام أيجوز قتالهم؟ قال:
نعم إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قالوا:
فإن لم يكونوا مثله؟ قال دعهم ينتقم من ظالم
لظالم ثم ينتقم من كليهما.
-مالك-
في البلد الطيب وفي مركز الإشعاع الفكري والروحي، وفي موطن النور المحمدي وفي حرم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي جوار المصطفى حبيب الرحمن، وبين القبر الشريف والمنبر العظيم، القبر الذي يضم تربة سيد الخلق وإمام المرسلين صلى الله عليه وسلم والمنبر الذي رفعت عليه كلمة الإسلام عالية المنبثقة من كلمة التوحيد، حيث أخذت تدوي في المشرقين. لتهدي الضال وتبصر العمي وتنير درب المظلومين والمحرومين، وتحدد سبيل تحرير الشعوب من ربقة عبودية البشر. وطريق التخلص من سيطرة الطغاة، وحكم الجائرين ومن على هذا المنبر كان العلماء ينهلون من معينه الذي لا ينضب ومنه يستلم القادة العسكريون وأمراء الأجناد أوامر السير نحو الفتوحات.
ويأخذ الحكام والولاة نصيبهم من التعليمات والتوجيهات هناك بين القبر والمنبر. الروضة المباركة التي ما جلس أحد فيها هنيهة بروحه وجسده إلا وشعر أنه حقًا في الجنة من ذاك الرحاب الطاهر. كان الإمام مالك بن أنس يأخذ كامل زينته من طيب ولباس. ووافر حظ من حسن الأدب جالسًا على منصة متواصفة يبين للناس ويعلم، هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قائلًا: حدثني فلان بن فلان أن صاحب هذا القبر قد قال: والناس يسمعون، وكأنما على رؤوسهم الطير، وهم بين ناصت بكل جوارحه ليصن قلبه ويحفظ عقله، وبين كاتب يسجل على قرطاس. وكان مما حدّث به هذا الإمام الجليل قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على مستكره طلاق) [1] .
وما أن نطق بهذا الحديث الصحيح. وإذا بالألسن تتداوله ذائعة أمره، حتى شاع وانتشر بين الخلق في مدينة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام. ثم أخذت التأويلات لهذا الحديث تجري على قدم وساق. كل طائفة وجدت فيه بغيتها وعضت عليها بالنواجذ لأن فيه مستندًا شرعيًا لما عزمت عليه من أمر مما بيتت من فعل.
فالمناوئون لحكم أبي جعفر المنصور وجدوا فيه مستندًا قويًا على التحلل من بيعة المنصور لأنها جاءت -كما اعتقدوا- عن طريق الإكراه. إذ قاسوا البيعة على الطلاق فقالوا: وليس على مستكره بيعة).
وأنصار محمد بن عبد الله بن الحسن رضي الله عنهم وجدوا فيه متكئًا حين خروج هذا الإمام الجليل.
أما الحكام من أبي جعفر وولاته فقد وجدوا في نشر هذا الحديث خطرًا عليهم وعلى كيانهم، لذلك حاولوا أن يمنعوا الإمام مالكًا من التحدث به.
(1) "قال ابن عباس: (طلاق السكران والمستكره ليس بجائز) . أخرجه ابن أبي شيبة (7/ 88 / 1) وكذا سعيد بن منصور عن هشيم نا عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبى يزيد المدني عن ابن عباس قال: (ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق) . ومن هذا الوجه رواه البيهقى (7/ 358) بلفظ: (ليس لمكره طلاق) وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير عبد الله بن طلحة الخزاعي فأورده ابن أبي حاتم (2/ 2 / 88) لهذا السند ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وروى البيهقي من طريق يحيى بن أبي كثير أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يجز طلاق المكره. وإسناده منقطع لأن يحيى لم يسمع من ابن عباس. وروى ابن أبى شيبة مثله عن عمر وعلي وابن عمر وابن الزبير بأسانيد فيها مقال. وأثر ابن عباس علقه البخاري (9/ 343) بصيغة الجزم. والله أعلم". أهـ (إرواء الغليل 2/ 112) .