الصفحة 91 من 146

ولكنه لم يفعل، وهددوه فلم يسمع. لأنه يؤمن بأن الله أوجب على العلماء أن يبينوا للناس ما نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه ولم يكن الإمام مالك من الجبناء الذين يكتمون أحكام الإسلام. إرضاء لهوى الحكام، أو خوفًا من بطشهم وجبروتهم أو أسواطهم وأغلالهم، عند ذاك نزلت المحنة ووقع الأذى، والسؤال الذي يرد؟ من أنزل بإمامنا هذه المحنة فباء بأثمها وتولى كبرها، وحصد شرها؟

الروايات التاريخية تشير إلى ما يلي:

أن أبا جعفر (نهاه أن يحدث بهذا الحديث ثم دس إليه من يسأله عنه فحدث به على رؤوس الناس فضربه [1] .

ومثل هذا روى ابن عبد البر في الانتقاء.

(لما ادعى مالك بن أنس وشور وسمع منه وقبل قوله شنف له الناس [2] وحسدوه ونعتوه بكل شيء، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة سعوا به إليه وكثروا عليه عنده، وقالوا لا يرى إيمانًا ببيعتكم هذه شيء.

وهو يأخذ بحديث رواه: (ثابت بن الأحنف في طلاق المكره لا يجوز) [3] .

(بعد أن ذكر هياج أهل المدينة على المنصور في أول أمره، أنه أرسل إليهم ابن عمه(جعفر بن سليمان) . فاشتد في أهل المدينة الخلاف وأخذت البيعة للخليفة، فسعى حسدة الإمام مالك إلى الأمير أنه يفتي بالأيمين على مكره فيحل بهذا ما أبرمتموه مما قام على الاستكراه، فأراد أن يبدر فيه فقيل لا تبدر فإنه أكرم الناس على الخليفة فدس إلى مالك بعض ثقاته فأفتاه على طمأنينة منه، فلم يشعر إلا ورسول جعفر فيه فأتوا به فتنهك الحرمة وضربه سبعين سوطًا أضجعته بعد انتهاء الفتنة) [4] .

والذي يبدو في هذه الروايات أن الذي تولى كبر هذه المحنة ونفذها هو ابن عم المنصور -جعفر بن سليمان- وكان المنصور على علم بذلك وإن لم يكن من ظاهر الواقع ضاربًا أو آمرًا بالضرب.

(ونحن لا نستطيع أن ننفي أن يكون ذلك بعلم ورضا من المنصور الداهية الذي كان على علم بما يجري داخل دولته وخاصة من كبارها وأن الذي كان على عالم بداخل بيت مالك حتى يعرف أنه كان يأمر خادمه بإدارة الرحى حتى لا يسمع الجيران صوت ابنته من البكاء جوعًا ما كان يجهل بما يجري) [5] .

ولكن الخبث السياسي الذي يحمله أصحابه من الحكام يجعلهم يحملون إثم الأفعال وكبر المحن غيرهم لتكون لهم فرصة البراءة لأنفسهم عند اللزوم بين الناس إذا وجدوهم قد أنكروا هذا الإثم وسخطوا من تلك المحن لظهور الظلم فيها، أما الله فلا تخفى عليه خافية فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهذا ما اتبعه المنصور مع مالك، عندما برأ الأخير من جراحه وطلب إليه الاجتماع بمنى في موسم الحج. يقول مالك (لما وصلت على أبي جعفر وقد عهد إليّ أن آتيه في الموسم قال لي: والله الذي لا إله إلا هو ما أمرت بالذي كان ولا علمته، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين ظهرهم وإني أخالك أمانًا لهم من عذاب ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب وأمرت بضيق محبسه والاستبلاغ في اتهامه ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه، فقلت عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه قد عفوت عنه لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منك قال: فعفا الله عنك وأوصلك) [6] .

ومثل هذا روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة.

تلك عظمة مالك من تسامحه واحتسابه السبعين سوطًا لله، له بها ثواب الصابرين ومثوبة المؤمنين ...

(1) [ص84 جـ10 تاريخ ابن كثير] .

(2) [شنفوا له أي تنكروا له] .

(3) [44 الالتقاء لأبي عبد البر] .

(4) [الإمامة والسياسة لأبي قتيبة] .

(5) [ص60 مالك لأبي زهرة] .

(6) [ص293 المدارك] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت