حين كان لدى الغرب رد فعل للدراسة الفيلولوجية التأريخية التي كانت سائدة قديمًا لديهم، وكانت الدراسات السابقة لها غير علمية لأنها (استدلالية ومعيارية) [1] .
فالمنهج العربي للدراسات اللغوية بدأ وصفيًا في كثير من أصوله بشكل واضح على يد الخليل وسيبويه والكسائي، ثم انتهى في الفترات المتأخرة (ولاسيما بعد القرون الهجرية الأربعة) إلى المعيارية التي سادت تلك الدراسات الى يومنا هذا وأن من جملة الأسباب في هذا الاتجاه تأثر الدارسين بالمنطق القياسي الأرسطي [2] .
فكانت دراستها في شطرها الأول تمثل محاولة جدية لانشاء منهج وصفي لدراسة اللغة يقوم على جمعها من مصادرها الأصلية (السماع، المشافهة) ، وروايتها ثم ملاحظة المادة المجموعة واستقرائها للخروج بعد ذلك بنتائج لها طبيعة الوصف اللغوي السليم، أي استنباط القواعد الكلية والجزئية، أي جعلت القاعدة خاضعة للاستقراء وليسا العكس، كما أنهم حددوا البيئة التي أخذوا عنها اللغة فحصروها في مناطق البادية معتبرين أن لغة الحواضر وأطراف الجزيرة لا تمثل اللغة العربية تمثيلًا صحيحًا لتعرضها لمؤثرات أجنبية، كما أنهم درسوا اللغة باعتبارها لغة (منطوقة) لا لغة مكتوبة، وشملت دراستهم مستويات اللغة كافة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية وهذه هي مايدعو إليها المنهج الحديث [3] .
ثم تحولت في شطرها الثاني إلى المعيارية.
ولكن ما يؤخذ على المنهج الوصفي في العصر الحديث هو استبعاده المعنى استبعادًا كاملًا من الدراسة اللغوية [4] ، ويرد مذهبهم هذا بأن أساس بناء اللغة العربية هو المعنى فهي لغة الإيحاء والإيجار والبلاغة وما وجدت الألفاظ والصيغ والعبارات فيها إلا لمعان محددة مقصودة ورد هذا ماريو باي أيضًا بقوله:"من المستحيل أن يتجنب عالم اللغة التركيبي علم المعنى كلية في دراسته للمفردات لأن مفهوم المورفيم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع المعنى، ولكن أي إشارة إلى معنى تاريخي أو تحول في الدلالة، وبيان أسباب ذلك كل اولئك يبعد عن مجال علم اللغة الوصفي الخالص" [5]
(1) ينظر: النحو العربي والدرس الحديث: 37 - 38.
(2) ينظر: منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث: 28.
(3) ينظر: فقه اللغة العربية وخصائصها: 94 - 97.
(4) ينظر: أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة: 118 - 124.
(5) هامش أسس علم اللغة: 112.