الصفحة 184 من 373

على مر الزمان ومن أمثلة ذلك مراحل تطور الافعال المعتلة في اللغة العربية واخواتها اللغات الجزرية فقد تركت بعض هذه المراحل ركاما لغويا في تلك اللغات هنا وهناك [1] . ويرى احمد علم الدين الجندي ان"من ما يؤكد ذلك مانسمعه كثيرا من قولهم إن استحوذ - خرجت مصححة على الاصل، ويصمت العلماء بعد ذلك، ولكي نفهم معنى التصحيح والاعلال في هذه الصيغة نلتفت جانبا الى الاية الكريمة التي نزلت في يهود المدينة ومنافقيها:"استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون" [2] . وفيما أراه - والله أعلم - أن القرآن لو عبر بكلمة (استحاذ) معلة لكان المعنى: ان الشيطان استولى عليهم استيلاء سهلا لامؤونة فيه ولاجهدا بل هو استيلاء طبيعي ولو عبر بصيغة (استحوذ) بالتصحيح مع موجب الاعلال لافاد معنى غير ما سبق فالشيطان لم يستدل عليهم هنا الا بعد ان غلب على قلوبهم واحاطهم واحتواهم حتى لايشذ عليه منهم شيء. فالاستيلاء على هذا لم يكن الا مع كثير من الجهد والمغالبة والمشقة والمعاناة ولقد اثر القرآن هذه الصيغة (استحوذ) التي هي منية على الاصل - وان كان يصح ان نقول (استحاذ) مثل: استصاب واستصوب واستجاب واستجوب - وذلك قياس مطرد عندهم - اللسان (حوذ) لأن القرآن فيما أراه - والله أعلم - لم يرقى احيانا الى التعبير بصيغة قديمة على الاصل كهذه لأغراض نفسية او ظروف اجتماعية كأن يحدثهم بتلك الصيغة القديمة حتى يستحضر الانسان المعاصر صورة من الذكريات القديمة لا بائه الذين استولى عليهم الشيطان (إستيلاء) كاملا وغلبهم على قلوبهم فشغلهم بعمارة ظاهرهم ومعاشهم عن ذكر الله، فلعل هذا يحفزهم ويقوي همهم، ويبعدهم عن أحابيله فالقرآن بهذه الصيغة (الاصل) يربط بين الخالفين والسالفين حتى لايكون الخلق من حزب الشيطان وجنده كما كان السلف"الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون". والنهاية اذن الى الذل وفي الذل"أولئك في الاذلين" [3] وهذا وجه من جوانب اعجاز القرآن حين يراعي الجانب النفسي، فيدبر على هذا الوجه بيانه مقنعا ومثيرا ومبشرا ونذيرا، وهي"

(1) بحوث ومقالات في اللغة: 59.

(2) المجادلة: 19.

(3) المجادلة: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت