الصفحة 113 من 337

والآخر خارجي: وهو مرحلة الاستعمال اللغوي ( Dissemination) التي بها يشيع التغيّر الدلالي وينتشر، التي تعتمد على التقليد الاجتماعي.

وهذان الجانبان يكمّل أحدهما الآخر، فلا يمكن الفصل بينهما، وقد فرض وجودهما في العربية أمران نابعان من اللغة نفسها [1] 1):

أحدهما: الطبيعة الرمزية الصوتية.

و الآخر: الوظيفة الاجتماعية.

فاللغة نظام من الرموز الصوتية (الألفاظ) المرتبطة بمعانيها ارتباطًا مكتسبًا، وقيمة الرمز اللغوي تقوم على علاقة بين مُتحدّث ومُخاطب، أي بين مُؤثّر ومُتلقٍّ، واللغة وسيلة التعامل الفكري بينهما، وصدور هذه الرموز لأداء معانٍ مُحدّدة يعنيها المُؤثّر ويفهمها المُتلقّي معناه اتّفاق الطرفين على استعمال هذه الرموز للتعبير عن الدلالات المقصودة. فهناك ارتباط بينهما أساسه اللغة.،وهذا الارتباط قابل للتغيير، ومن ثمّ فإنّ تعامله مع اللغة سيتغيّر أيضًا، ولذا فإنّ العلاقة بين الرموز والمدلولات ستتغيّر أيضًا [2] 2).

أمّا الوظيفة الاجتماعية فتتمثّل في ندرة وجودها في غير مجتمع متكامل، ولمّا كانت تلك المجتمعات متغيّرة بتأثير عوامل الزمن والمجتمع، لذا فإنّ اللغة الإنسانية تتغيّر أيضًا [3] 3).

وقد أولى علماء العربية موضوع التغيّر الدلالي عناية كبيرة من غير أن يشيروا إلي مصطلحه الذي تعارف عليه المحدثون، فقد عُنوا بمعرفة حياة اللغة وتقلّباتها وتأثّرها بالظواهر الاجتماعية والدينية، ودرسوا أصول الألفاظ وتطوّرها على مدى العصور، وكان لهم في ذلك جهود مثمرة تركت لنا تراثًا زاخرًا بمباحث دلالية جمّة في هذا الميدان.

أما المحدثون فقد عُنوا بهذا التغيّرعلى نحو أكثر شمولًا وتنظيمًا، ووجدوا أنّ المشكلة اللغوية تزداد تعقيدًا كلّما ازدادت الحياة رُقيًّا وتَحضّرًا؛ لأنّ الحضارة الجديدة لابدّ لها من أدوات لغويّة تُترجم عنها ترجمة صادقة، ثمّ لاحظوا أنّ الألفاظ تتطّور فتكتسب من المعاني أشياء جديدة لم تكن لها [4] 4)، ولذلك يرون في تتبع التغيّر الدلالي وسيلة للكشف عن سرّ نمو اللغة من حيث متنها وأساليبها، ويعزون ذلك إلى اتجاه الإنسان نحو التقدّم والرقيّ في جميع مقوّمات حياته الخاصّة والعامّة، ومن ثمّ البحث عن مفردات لغويةّ تساير الحياة الجديدة [5] 1)

(1) ينظر: اللغة العربية عبر القرون 8.

(2) علم اللغة العربية: مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية: محمود فهمي حجازي 10.

(3) ينظر: علم اللغة بين التراث والمعاصرة: عاطف مدكور 17، 25 ـ 26.

(4) التطور اللغوي التاريخي: ابراهيم السامرائي 46.

(5) المدخل الى علم اللغة: رمضان عبد التواب 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت