الصفحة 224 من 337

المبحث الثالث

دلالة الإعراب

الإعراب من أهمّ الخصائص المميّزة للغة العربية، وهو مَظهر لَفظي خارجي للعَلاقات الداخليّة في التركيب النحوي [1] ، وبه يُبين المتكلم عن معاني اللغة، وبه يُفرّق بين المعاني المتكافِئة في الكلام [2] .

قال الزجّاجي: (( الإعراب أصله: البَيان، ويقال: أعرَبَ الرجلُ عن حاجته: إذا أبان عنها، ورجلٌ مُعرِبٌ أي: مُبينٌ عن نفسه، ومنه الحديث(الثيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِها ... ) [3] وهذا أصله، ثم إنّ النحويين لمّا رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركاتٍ تدلّ على المعاني وتُبين عنها سمّوها إعرابًا أي: بيانًا، وكأنّ البيانَ بها يكون )) [4] .

والإعراب وُجِدَ في اللغة منذ عصر ما قبل الإسلام، فقد وَرَثَ العرب لغتهم مُعرَبةً، وهم بحسّهم اللغوي الرفيع يُدرِكون أنّ الإعراب وسيلة للتفرقة بين المعاني. ويؤكّد هذا ابن جني في حكايةٍ رواها عن الأعرابي التميمي الذي حاول أن يديرَه عن إلتزام وَجه من وجوه الإعراب في المَوضع الذي يدلّ عليه، فلم يستطع، مُستدلاًّ بذلك على أنّ العرب الأوائل عارفون حقيقة الارتباط بين الإعراب والمعنى، إذ كانوا يتأمّلون مَواضع كلامِهم ويُعطون كلّ مَوضع حقّه من الإعراب، وهُم في ذلك على بَصيرة نافذة، ونقد مُميّز [5] .

ومما يؤكّد وجود الإعراب في العربية، تجلّيه بصورة واضحة في لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وحرص المسلمين على ضبط لغة الدين واستهوالهم اللحن فيها في عصر صدر الإسلام وما بعده [6] . وهو الأمر الذي مهّد لنشأة علم النحو، الذي يقوم على ربط الإعراب بالدلالة على معاني الكلام، التي هي المعاني النحوية. فتجد الخليل وسيبويه ومَن تابعهما يشيرون إلى ذلك صراحةً في مؤلّفاتهم [7] ، فقد أدرَكوا عَلاقة هذه المعاني بالعوامل التي تُحدِثُها، ودَلالة الإعراب على هذه العوامل. ثمّ أشاروا إلى مُناسبة أصوات عَلامات الإعراب لمَعانيها، وإلى دَلالتها على المعاني الإضافيّة التي يكتسبُها الكلام ليُناسب المَقامات التي يُقال فيها، وهي المعاني البَلاغية شديدة الصِلة بالمَعاني النحوية [8] .

وقد اتّفق جمهور النحويين القدماء على دَلالة الحركات الإعرابية على المعاني، سوى قطرب محمد بن المستنير (ت بعد 206هـ) الذي رفضَ هذا القول، وجاء برأيٍ مخالفٍ لهم، وهو أنّ

(1) الدلالة اللغوية عند العرب 194.

(2) ينظر: تأويل مشكل القرآن 14ـ15، والصاحبي 76،

(3) سنن ابن ماجة: باب استئمار البكر والثيب 1/ 602.

(4) الإيضاح في علل النحو: 91، وينظر الجمل في النحو 261.

(5) الخصائص 1/ 76، وينظر دلالة الإعراب لدى النحاة القدماء 28.

(6) ينظر: فقه اللغة العربية: 129 ـ 134.

(7) ينظر: الكتاب 1/ 91 ـ 93، والجمل في النحو 260.

(8) دلالة الإعراب لدى النحاة القدماء 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت