المبحث الأول
تخصيص الدلالة
يسمّى العام المخصوص، وهو ما وُضع في الأصل عامًّا ثمّ خُصّ في الاستعمال ببعض أفراده [1] ، ويسمّى أيضًا قصر العام، أو تخصيص الدلالة أو تضييق المعنى. ويُراد به قصر الدلالة العامة للألفاظ على بعض أجزائها وتحديد مدلولها وتضييق شمولها، إذ تصبح مختصّة بدلالة معينة أقلّ اتساعًا مما كانت عليه في الأصل [2] ، فتشيع وتصبح هي الدلالة المتبادرة إلى الذهن عند سماع تلك الألفاظ. وهو صورة واضحة من صور التطوّر الدلالي يمكن أن تُعزى إلى أمور عدّة هي:
(1) كثرة استعمال العام في بعض ما يدلّ عليه، فيُزيل مع تقادم العهد عموم معناه، ويقصُر
مدلوله على الحالات التي شاع فيها استعماله [3] . وهو ما يسمّى: الاستعمال العُرفي، الذي
سنقف عليه إن شاء الله.
(2) انقراض طائفة من الأشياء أو العادات أو المظاهر التي تعبّر عن اللفظ دلاليًا، يؤدّي
إلى تضييق دلالته واقتصارها على ما بقي من تلك الأشياء متداولًا [4] .
(3) إضافة بعض الملامح التمييزيّة للفظ، فكلّما ازدادت الملامح لشيء ما قلَّ عدد أفراده [5] .
(4) تحقيق أمن اللبس، فقد توقِع الدلالات العامّة في سوء الفَهم بسبب شمولها لأشياء
كثيرة، فيكون التخصيص وسيلةً لتحديد المقصود على وجه الدقّة [6] .
وقد أدرك علماء العربية هذه الظاهرة وأشاروا إليها في دراساتهم اللغويةّ والبلاغيّة والتفسيريّة والأصوليّة ـ وإن لم يصرّحوا بالمصطلح الحديث ـ إذ وقفوا عند الألفاظ التي تخصّصت دلالتها وشرحوا أصولها اللغوية ومدى التطوّر الحاصل في دلالتها وصولًا إلى معناها الجديد.
وأشهر من أشار إليها ابن قتيبة [7] 7)، وابو حاتم الرازي [8] 8) (تـ337هـ) ، وابن فارس [9] ، والغزالي [10] 10)، والرازي [11] 11)، والآمدي [12] 12)، والسيوطي [13] 13) (تـ911هـ) .
(1) المزهر 1/ 427.
(2) دلالة الألفاظ 152، وعلم اللغة (وافي) 319، وعلم الدلالة (مختار) 245، ودور الكلمة في اللغة 180، وعلم
اللغة بين التراث والمعاصرة 288.
(3) علم اللغة (وافي) 319.
(4) في الدلالة والتطور الدلالي: أحمد قدور 131 (بحث) .
(5) علم الدلالة (مختار) 246.
(6) في الدلالة والتطور الدلالي131.
(7) تفسير غريب القرآن 7ـ36، وتأويل مشكل القرآن 161، 471، 472.
(8) الزينة في الكلمات الإسلامية 2/ 27 وما بعدها.
(9) الصاحبي 78 ـ 86.
(10) المستصفى من علم الأصول
(11) المحصول في علم أصول الفقه 1/ 1/410 ـ414.
(12) الأحكام في اصول الأحكام 1/ 21 ـ 22.
(13) المزهر 1/ 427.