الصفحة 202 من 337

المبحث الثاني

دلالة الجملة

الجُملة في تعريف النُحاة هي الكلام الذي يترَكّب من كلمَتين أو أكثر ولهُ معنىً مُفيد مُستقل [1] . وتقوم على أساس التركيب الإسنادي الذي يُعدّ من أهمّ أنواع التركيب في العربية، ويقوم أيضًا على رُكنين أساسين لاغنى له عنهما، هما: المسند والمسند إليه.

وقد عُني علماء العربية بدراسة الجُملة وأشاروا إلى أنواعها ومكوّناتها ودَلالاتها وإعرابها [2] ، وعدّها المحدثون أساس الدراسات الدلالية الحديثة [3] فبموجَبها تتحدّد دَلالة الألفاظ المُفردة، وتتغيّر الروابط التي تربطُها، ثمّ يتحدّد المعنى العام الذي ربّما يوحي إلى معنىً آخر يمثّل الدلالة المَقصودة.

وقد قسّم القدماء الجُملة بحَسب أركان إسنادها على أربعة أقسام: الإسميّة والفعليّة، وأضاف إليهما ابن السراج الظَرفيّة حين عدّها قسمًا مستقلًا، كما أضاف الزمخشري القسم الرابع وهو الجملة الشرطيّة، إذ اتخذوا صدرَ الجملة مِعيارًا لتحديد نوع الجملة. وقد ذكر ابن هشام الأنصاري (ت761هـ) هذه الأقسام، فقال (( الإسمية هي التي صدرُها اسم، كزيد قائم، وهيهات العقيق ... والفعلية هي التي صدرُها فعل، كقامَ زيد وضُرِبَ اللص ... والظرفيّة هي المصدَّرة بظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ، نحو: أ عندكَ زيد؟، وأ في الدار زيد؟ إذا قدَّرتَ زيدًا فاعلًا بالظرف والجارِّ والمجرور، لا بالاستقرار المَحذوف ولامبتدأً مُخبَرًا عنه بهما، ومثّل الزمخشري لذلك بفي الدار من قولك: زيدٌ في الدار، وهو مَبني على أنّ الاستقرار المقدّر فعلٌ لا اسمٌ وعلى أنّه حذف وحده، وانتقل الضمير إلى الظروف بعد أن عمِلَ فيه. وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية، والصواب أنّها من قبيل الفعليّة ) ) [4] .

وقد عُني أغلب النحاة الأوائل بدلالة الجملتين الاسميّة والفعليّة، وربطوا هاتين الدلالتين بالشكل التكويني لكلٍّ منهما. فالمُصدّرة بالاسم تعدُّ جملةً اسميةً، وتكتسب من تصدُّر الاسم الدلالة على الاستقرار والثبوت. أمّا المُصدّرة بالفعل فهي جملة فعليّة تكتسب من تصدّر الفعل الدلالة على التغيّر والحدوث [5] .

وقد أشار ابن جني إلى هذا الفرق الدلالي فقال: (( فقولُك: إذا زُرتَني فأنا ممّن يُحسِن إليك، أي فحريٌّ بي أن أحُسِن إليكَ، ولو جاء بالفعل مُصارَحًا به فقال: إذا زرتَني أحسنتُ إليكَ لم يكن في لفظهِ ذكرُ عادتهِ التي يَستعملُها من الإحسان إلى زائرِه، وجاز أيضًا أن يُظنَّ به عَجْزًا أو نُفورًا دونه، فإذا ذَكَر أنّ ذلك عادتَه ومظنّة منه، كانت النفوس إلى وقوعه أسكن وبه أوثق،

(1) ينظر: المقتضب 1/ 8، وشرح ابن عقيل 1/ 14، ومغني اللبيب 2/ 374.

(2) ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها 89، 113.

(3) علم الدلالة (بالمر) 46.

(4) مغني اللبيب 2/ 376، وينظر: الدلالة في النحو العربي 83.

(5) الدلالة في النحو العربي 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت