المبحث الثالث
تغيّر المجال الدلالي
ويُسمّى نقل المعنى أو تغيّر مجال الاستعمال، ويحدث فيه انتقال دَلالة اللفظ من مجال دلالي إلى مجال دلالي آخر، ولكن ليس على وجه التخصيص أو التعميم، وإنّما على وجه المخالفة [1] .
وهو الشكل الثالث من أشكال التغيّر الدلالي، ولكنّه يختلف عن سابقَيْه بأنّ (( اللفظ يتخذ سبيلًا يجتاز فيه ما بين نقطة تداوله ومعناه الأوّل إلى نقطة أخرى يجري استعماله فيها، ولا يشترط التقفية إليه على آثار المرحلة الأولى، بل يقوم احتمال تعايش الدَلالتين إلى جانب احتمال طُغيان الدلالة المتطوّرة عن سابقها ) ) [2] .
وتتحوّل الألفاظ عن مجالها الدلالي إلى مجال آخر بطرق دَلالية عرفها العرب منذ القدم، وهي الخروج من الحقيقة إلى المَجاز بأساليب التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز المرسل، وأهمّها فاعلية في التغيّر الدلالي أسلوبا الاستعارة والمجاز المرسل، وهما قسما المجاز اللغوي الذي يتمّ فيه نقل الألفاظ من حقائقها اللغوية إلى معانٍ أُخَر بينها صلة ومناسبة، حيث تكون في الاستعارة صلة المُشابهة، وفي المجاز المرسل صلة مُلابسة وعلاقات أخرى من غير المشابهة، مثل: السببيّة، والجزئيّة، والكليّة، والحاليّة والمحليّة، والمجاوَرة، والزمانيّة، والآليّة [3] .
وللمجاز اللغوي أهميّة بالغة تكمُن في كونه وسيلةً مهمةً من وسائل التوسّع اللغوي، إذ يُثري اللغة، ويسدّ أوجه النقص في الألفاظ والتراكيب المحدودة، فتتجدّد المعاني والألفاظ وتبتعد عن الخمول والرتابة [4] وهذا ناتج من المواضعة التي تمثّل تشكّلًا دائمًا ومستمرًا للغة [5] ، وفي ذلك يصدُق قول ابن جني: (( إنّ أكثر اللغة مع تأمّله مجاز لاحقيقة ) ) [6] .
ويُعدُّ المجاز المحرِّك للطاقة التعبيرية في اللغة؛ إذ تنتقل من التصريح الى الإيحاء، وهو أحد طاقات الحركة الذاتية لها؛ لأنّه يُهيّء الألفاظ لاستيعاب المدلولات الجديدة من دون الحاجة إلى استحداث ألفاظ جديدة لها، قد تؤدّي إلى إرباك الرصيد اللغوي. وبذلك يكون المجاز بمثابة جسر تعبُر عليه الألفاظ بين الحقول الدلالية المتعدّدة [7] ؛ لتؤدّي جانبها الوظيفي
(1) ينظر: التعريفات 4، ودلالة الألفاظ 160، وعلم الدلالة (مختار) 247،ودور الكلمة في اللغة 181.
(2) علم الدلالة العربي 314 ـ 315.
(3) علم البيان: عبد العزيز عتيق 143 ـ 165.
(4) عوامل التطور اللغوي 57.
(5) قاموس اللسانيات: عبد السلام المسدي 44.
(6) الخصائص 2/ 447.
(7) قاموس اللسانيات 44