الأول وهو التكريس النفعي في التعامل الدائم معها، ممّا يمنحها حياة مستديمة لاتنتهي، ولترقى كذلك إلى المراتب العُليا في تعاملها الفني وتسخيرها الإبداعي [1] . فيكون للمجاز عندئذ أثر بالغ في لغة التعامل الاجتماعي ولغة الإبداع.
ولم يكن هذا النوع من التغيّر خافيًا لدى العرب؛ لأنّهم منذ عصرما قبل الإسلام على دراية بأنّ اللفظ الواحد ينتقل بين معنيين مختلفين، وذلك حين يُصرَف اللفظ عن أصله وينتقل معناه، وهم على دراية أيضًا بأنّ هذا النقل لا يحدث مالم تتوفر جملة من العلاقات بين المَنقول والمَنقول إليه [2] .
وقد أجاز ابن جني تعمّد نقل الدلالات اللغوية إمّا بتحويل الألفاظ عن معانيها أو بتحويل المعاني عن الألفاظ فقال: (( ثمّ لك من بعد أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها فتقول: الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مَزْد، والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سُر ... ) ) [3] ، وهو يعلّل ظاهرة (إيراد المعنى المُراد بغير اللفظ المُعتاد) بطواعية اللغة، ذلك أنّ المجاز (( موضع قد استعمله العرب واتبعتها فيه العلماء، والسبب في هذا الاتساع أنّ المعنى المراد مفادٌ من الموضعين جميعًا ـ أي الحقيقة والمجاز ـ فلمّا آذنا به وأديّا إليه، سامحوا أنفسهم في العبارة عنه ) ) [4] .
وأشار ابن فارس [5] أيضًا إلى ظاهرة التغيّر الدلالي بالمجاز وعدّها من سُنن العرب في كلامهم، وكذلك فعل الثعالبي [6] ، حيث خصّص فصلًا عن الحقيقة والمجاز ذكر فيه نماذج من انتقال مجالات الدلالة بالمجاز، وعبد القاهر الجرجاني أيضًا الذي أوْلى هذه الظاهرة عنايةً فائقةً وله فيها آراء خالدة [7] ، وقد جمع السيوطي آراء القدماء في فصل سمّاه (معرفة الحقيقة والمجاز) وساقَ له أمثلة كثيرة [8] .
رأي الطوسي:
عُني صاحب (التبيان) بموضوع الحقيقة والمجاز في تفسيره، واعتمد المجاز كثيرًا وسيلةً في فهم آيات من القرآن الكريم، وفي ردّه الاتهامات الباطلة التي تحدث فاهَ بها مَن لا دين ولا فَهم له، وفي تأويل الآيات التي يؤدّي ظاهرها إلى تجسيم الذات الإلهيّة.
(1) التفكير اللساني في الحضارة العربية 188.
(2) المجاز في البلاغة العربية 209ـ215.
(3) الخصائص 1/ 44، وينظر التفكير اللساني 186.
(4) الخصائص 2/ 466.
(5) الصاحبي 110 ـ 111، 334 ـ 336.
(6) فقه اللغة وسر العربية 543 ـ 546.
(7) ينظر أسرار البلاغة 22، 207، 209، 238، 239، ودلائل الاعجاز 277 ـ 293، 346 ـ 348.
(8) المزهر 1/ 355 ـ 368.