الصفحة 170 من 337

توطئة:

التركيب هو تأليف الألفاظ وضمّ بعضها إلى بعض في بناء مُتكامل المعنى، ولكلّ تركيب تكوينه الخاصّ به، الذي تتحدّد بموجبه فاعليته في التعبير عن المعنى المُراد.

والتركيب هو أهمّ وسائل إنتاج الدَلالة، فلا دَلالة بلا تركيب؛ لأنّ الألفاظ المفردة لا يمكن أن تُحقّق الوظيفة الأساسية للغة، ألا وهي التعبير عن مُكوّنات الفكر [1] ، ولا يكون هذا إلا بترتيب تلك الألفاظ ترتيبًا معينًا في ضمن تركيبٍ يؤلِّف فيه المتكلّم بين الألفاظ على وفق المعاني وحَسبما تقتضيه الدلالة. (( فليس الغَرضُ بنَظم الكَلِم أن توالتْ ألفاظها في النُطق، بل أن تناسقَتْ دَلالتها، وتلاقت مَعانيها على الوجه الذي اقتضاه العَقل ) ) [2] .

والصورة الواضحة للتركيب هي الجُملة، التي تمثّل الأساس المَتين الذي يرتكز إليه على النحو. وقد عُني علماء العربية القدماء بدراسة الجملة وعرّفوها بأنّها: الكلام الذي يحسُن السكوت عليه [3] . وأفاضوا في دراستها من الناحيتين الشكليّة والدلاليّة، يشهد بذلك كتاب سيبويه الذي يُعدّ أقدم كتاب نحويّ وصلَ إلينا، إذ تَجده حريصًا على الإحاطة بكلّ ما يتعلّق بالأساليب العربيّة من خصائص لغويّة ونحويّة وبيانيّة، ولا يكتفي بالوقوف عندها، بل يُشير إلى مَواطِن الحُسن والقُبح فيها، وإلى أسباب ذلك، بما يصُبّ في صَميم الدَرس النحوي الدلالي الذي يقوم على دراسة نَظم الكلام وأسرار تأليفه ومدى مُلاءمته لظروف القول [4] .

وهو ما وجدناه لدى غيره من علماء النحو أمثال: المبرّد، وابن جني، وعبد القاهر الجرجاني، والزمخشري وغيرهم.

وكذلك عُني المحدثون بدراسة الجُملة، ولاسيّما العالم اللغوي دي سوسير الذي وضع أسسَ المنهج الوصفي في دراسة اللغة في مستوياتها المختلفة: الصوتي، والصرفي، والدلالي، والتركيبي، فظهر ما يُعرف بعلم الألسنية الذي يعنى بالتركيب العام للنظام اللغوي [5] ، والذي نضج أكثر على يد العالم (تشومسكي) صاحب النظرية التوليدية التحويلية التي تناولت إرساء قواعد جملة من المفاهيم، وقالت بإمكانية توليد عدد لا محدود من الجمل مشتقة من جملة واحدة بعد إجراء التحويلات عليها [6] .

(1) أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث: توفيق الزيدي 73.

(2) دلائل الإعجاز 95.

(3) ينظر المقتضب 1/ 8، وشرح ابن عقيل 1/ 14، ومغني اللبيب 2/ 374.

(4) أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: قيس اسماعيل الأوسي 27، 32.

(5) الألسنية (علم اللغة الحديث) :المبادئ والأعلام: ميشال زكريا 140 ـ 143.

(6) البنى النحوية 115 ـ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت