الصفحة 173 من 337

المبحث الأول

دلالة معاني الكلام

يقسّم الكلام تبَعًا لمعناه على قسمين: الخبر والإنشاء. قال الخطيب القزويني: (( وَوَجه الحَصْر أنّ الكلام: إمّا خبرٌ يكون أو إنشاء؛ لأنّه إمّا أن يكون لنسبتِه خارجٌ تُطابقه أو لا تُطابقه، أو لا يكون لها خارج ... ) ) [1] .

ولكلٍّ من هذين القسمين دلالتُه الخاصّة التي يَمتاز بها مِن الآخر، غير أنّهما يتبادلان المَواقع، فيَخرُج الخبر إلى الإنشاء أو العكس، إذا اقتضى ذلك السياق وأعانَتْ عليه القرائن المُحيطة بالنصّ [2]

والتبادل بين الدَلالتين فرعٌ باسق من تناسب النظم القرآني وروعة الإعجاز، وقد يكون ذلك التناسب بيّنًا باهرًا، وقد يأتي بخَفاء لا يُدرِكه إلا ذهنٌ لمّاح وقّاد. وهو وسيلة من وسائل تعدّد معاني النصّ الواحد فلو (( تأمّلتَ لوجدتَ الحقيقة المعنويّة والنفسيّة المعبّر عنها بلفظ الإنشاء غير الحقيقة المعنويّة المعبر عنها بلفظ الخبر ) ) [3] .

أولًا: الخبر:

هو كلام يَحتمل الصِدْق والكَذِب [4] ، والصدق: هو مُطابقة النسبة الكلاميّة المفهومة من الخبر للنسبة الخارجيّة الظاهرة في الواقع الحقيقي، أمّا الكذب: فهو عدم مُطابقة الكلام لواقع الحال [5] . أمّا الإنشاء: فهو ما لم يحتمل الصدق والكذب؛ لأنّه كلام يُنشئه المُتكلم من ذات نفسه، ولا يُشترط فيه أن يكون له نسبة خارجيّة تطابقه أو لا تطابقه.

وبمعنى آخر فإنّ الخبرَ: (( نقلُ حقيقةٍ أو معلومةٍ يقفُ عليها المتكلم أو المنشئ، فيعبّرُ عنها لينقلَها لمَن يُلقي إليه الكلام، وهذا المُتلقي يستطيع أن يُحقّق منها صدقًا وكذبًا لو أراد؛ لأنّ لها وجودًا في خارج كلام المتكلّم، وأنّه هو الذي ينشئه، فلا يستطيع المُتلقي أن يصل إليه إلا إذا أنشأ المتكلّم لينقله إليه ) ) [6] ، ولذلك وُصِفَت الجملة الإنشائيّة بأنّها موجِدة لمعناها، والخبريّة بأنها حاكِيَة عنه [7] .

(1) الإيضاح في علوم البلاغة 1/ 13.

(2) ينظر: الكتاب 3/ 504، والإيضاح في علوم البلاغة 1/ 146 ـ 147، والبرهان في علوم القرآن 3/ 347

ـ352، والطراز المتضمّن لأسرار البلاغة 3/ 293 ـ 394.

(3) دلالات التراكيب: محمد حسنين أبو موسى 284،وينظر: أثر النحاة في البحث البلاغي: عبد القادر حسين 92ـ 93.

(4) ينظر: المقتضب 3/ 89، والأصول في النحو 1/ 62، والحدود في النحو (ضمن رسالتان في اللغة) : الرماني73،

ومفتاح العلوم 78.

(5) المعاني في ضوء أساليب القرآن 119 ـ120.

(6) نحو المعاني: أحمد عبد الستار الجواري 113.

(7) البحث النحوي عند الأصوليين 260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت