الصفحة 174 من 337

وقد وقف الطوسي عند الخَبر وعَدّه (( أصْلًا للجُمل ) ) [1] ، وفرّق بينه وبين الإنشاء مبيّنًا أنّ المُخبِر يدلّ في الخبر (( على كَوْن المُخبَر به، وليس كذلك الأمر والنهي والاستخبار؛ لأنّه لايدلّ على كون المَدلول عليه ) ) (2) ، إذ يدلّ الخبر على وجود المُخبر به في الواقع الخارجي، وليس كذلك الإنشاء.

وأشار إلى أنّ التغايُر المعنوي بين أسلوبَيْ الخبر والإنشاء، سَببٌ في التغايُر اللفظي بينهما، إذ يؤكَّد الخبر بأبلغ التأكيد وهو القَسَم، على حين لايحتاج الإنشاء إلى ذلك بل يُكتفى فيه بنون التوكيد (3) . وإنّما كان ذلك لأنّ الخبرَ يَحتمِل الصدق والكذب، فلا بدّ من توكيده لتمكّن المعنى في نفس المخاطَب، ولذلك استُعملَت معه أساليب توكيد مختلفة مثل (إنّ وأنّ) ، والقَسَم، ولام الابتداء، على حين لايحتاج الإنشاء إلى ذلك لعدم احتماله الصِدق والكَذب، فجيء بأخفّ الأدوات توكيدًا ـ وهي النون ـ لتثبيت المعنى.

أغراض الخبر:

يُلقي المتكلّم خبرَه وفي نفسهِ أحد الغَرضَين الآتيين [2] :

1 ـ إبلاغ المخاطَب حُكْمًا ما، يكون خالي الذهن منه، ويُسمّى هذا الغَرضُ فائدةَ الخبر.

2 ـ لزوم إفادة المخاطَب العالِم بالحُكْم، ولكنّه إمّا شاكٌّ به أو منكرٌ، فيُدخل المتكلّم على

خبره ما يُزيل هذا الشكَّ ويَردّ ذلك الإنكار، ويُسمّى هذا الغرض حينئذ لازمَ الفائدة.

وقد أشار الطوسي إلى أنّ الخبر قد يُلقى على مَن هو عالمٌ به غير خالي الذهن منه ولاشاكٌّ فيه أو منكرٌ له، وذلك حين يكون كالعلّة لِما بَعده، فحين فسّر قوله تعالى على لسان نوح ـ عليه السلام ـ: {رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ - فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًَا} [الشعراء: 117ـ118] ، علّل إخبار نوح ربّه بأن قومه قد كذّبوه مع عِلْم الله بذلك؛ (( لأنّه كالعلّة فيما جاء بعده، فكأنّه قال: {افْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًَا} ؛ لأنّهم كذّبوني، إلا أنّه جاء بصيغة الخبر دون صيغة العلّة، وإذا كان على معنى العلّة حَسُن أن يأتي بما يعلَمُه المتكلّم والمخاطَب ) ) [3] . فليس المقصود إخبار الله تعالى بالتكذيب؛ لأنّه عالِم بذلك بلاشكّ، ولكنّ المراد تبيين علّة دعاء نوح على قومه الذين كذّبوه، فأراد: إنّي لا أدعوكَ لِما آذَوْني؛ وإنّما أدعوكَ لأجلكَ وأجل دينكَ وإثباتِ صدقِ وحيكَ ورسالتكَ [4] .

(1) و (2) ... و (3) التبيان 2/ 23، وينظر: دلائل الإعجاز 460.

(2) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة 1/ 17 ـ 18، والتلخيص في علوم البلاغة 641 ـ 42، والمعاني في

ضوء أساليب القرآن 122 ـ 124.

(3) التبيان 8/ 42.

(4) التفسير الكبير 8/ 24 / 521.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت