المبحث الأول
السياق وأنواعه
لقد أدركَ علماؤنا الأوائل أثرَ السياق في توجيه المعنى وتحديده، إذ وَجدوا أنّ ظاهرَ الألفاظ المُفردة لا يُعين على فَهم النصوص فَهمًا صَحيحًا. وقد كان للنَظم القرآني أثرٌ بالغٌ في ذلك، فحين بدأوا بتفسيره أدرَكوا أنّ له نظمَه الخاصّ به، وهو نَظم فريد مؤثّر ليس له نظير، لكنّه متعدّد الوُجوه والمَعاني، وفي ذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ت 148هـ) فيما رواهُ عن جابر بن يزيد الجَعفي ـ وهو تابعي ثقة [1] ـ قال: (( أبو عبد الله [2] ـ عليه السلام ـ: يا جابرُ إنّ للقرآن بَطنًا، وللبَطن ظَهرًا، ثم قال: يا جابرُ وليس شيءٌ أبعدَ من عقول الرجال منه، إنّ الآية لَتنزِل أوّلها في شيءٍ، وأوسَطها في شيءٍ، وآخرها في شيءٍ، وهو كلام متّصل يتصرّف على وجوه ) ) [3] .
ويُعدّ النظم القرآني خاصًا؛ لأنّه بتعدّد وجوهه يُتيح إمكاناتٍ أكثرَ في الأداء والتعامل مع النصّ، إذ يتلازم الجانبان اللغوي والنحوي والبلاغي، لتحقيق جانب الإبلاغ والتأثير في المُتلقّي، وهو المُتوَخّى من القرآن. ومن غير فهم النظم لا يمكن أن نكشفَ عن نسقِِ المعاني ولا أن نُحدّد أبعادها أو نكشف عن الفروق الدلالية الدقيقة بينها من جهة، وبين خصوصيّات التراكيب من جهة أخرى، ومن ثم ربط هذه الخصوصيّات بالسياق والغرض العام [4] .
وقد بيّن كثير من علماء التفسير أنّ فهم المعنى القرآني لا يتحقّق إلا بعد مَعرفة سياق الكلام، فبه يزول الإشكال ويتعيّن المُتحمَل ويُخصّص العام ويُفسّر المُبهَم [5] ، وهو أمرٌ لا يُدرِكه إلاّ ذوي القدرات المُتميّزة والبَصائر النافذة والأذواق السليمة.
ولذا فهم يَشترطون في المُفسِّر الإحاطة بعلوم العربية من اشتقاق ونحو وصَرف وبالقراءات القرآنية، وكذلك بأسباب النزول التي لها أثرٌ بينّ في كَشف دَلالات الآيات وتعميمها أو تخصيصها، وبعلم المناسبة الذي يكشف عن العَلاقات الدَلالية بين الآيات والصوَر التي تربط النصّ ربطًا مَتينًا، فيُصبح التأليف كالبناء المُحكَم المُتلائِم الأجزاء [6] .
وقد عُني علماء التفسير منذ عهد مُبكّر بالإشارة إلى المعاني السياقية المختلفة للفظ الواحد، وتشهد لذلك كتب الوجوه والنظائر المتعدّدة. كما عُني بها أيضًا الأصوليون، واستندوا إليها في
(1) معجم رجال الحديث: أبو القاسم الخوئي 4/ 17 ـ 27، وينظر البحث الدلالي في تفسير الميزان 108.
(2) يقصد سيدنا الحسين أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ.
(3) كتاب التفسير: العياشي 1/ 11، وينظر البحث الدلالي في الميزان 108.
(4) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية: محمد حسنين أبو موسى 189.
(5) ينظر: بدائع الفوائد 4/ 9 ـ 10، والبرهان في علوم القرآن 2/ 199.
(6) ينظر: البرهان في علوم القرآن 1/ 22، والإتقان في علوم القرآن 4/ 213 ـ 215.