تحديد الأحكام الشرعية، ولذا فقد زَخِرَت كتبهم بدراساتٍ سياقيّة متميّزة، ومن أقدم هذه الإشارات ما وَرد عن الإمام الشافعي (ت 204هـ) في رسالته الفقهيّة، إذ أشارَ إلى أثر السياق في فهم المَعنى المحدّد للألفاظ وفي تخصيص المعنى العام للآيات أو العكس [1] .
وعُني به أيضًا البلاغيون وتمثل لديهم في اتجاهين:
الأول: مفهوم السياق الذي أرسى قواعده القاضي عبد الجبار [2] ، ووضع هيكليّته عبد القاهر الجرجاني، والذي يقوم على أساس أنّ الكلمة لا قيمة لها في حالة إفرادها، وإنّما يكون حُسنُها ورداءتُها في نظمِها، قال: (( إنّ الألفاظ لا تتفاضَل من حيثُ هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي كلمٌ مفردة، وإنّ الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك ممّا لا تعلّق له بصريح اللفظ، وممّا يشهد لذلك أنّك ترى الكلمة تروقك في مَوضع، ثمّ تراها بعينها تثقُل عليك وتوحِشُك في مَوضع آخر ... ) ) [3] .
والآخر: العناية بالسياق الحالي، وذلك بربطهم الصياغة بالسياق وتأكيدهم قاعدة: لكلّ مقامٍ مقالٌ، وضرورة مراعاة البليغ لمُقتضَيات الأحوال والمَقامات مثل حال المتكلّم، والمُخاطَب، والظروف الزمانيّة والمكانيّة والاجتماعيّة والنفسيّة المُحيطة بهما [4] .
وكان السياق موضع عناية اللغويين أيضًا، ويتجلّى ذلك بصورة خاصة في كتب الأضداد والمُشترك اللفظي التي مَنحت السياق أهميّة بالغة في تحديد المَعنى المُراد، ذلك أنّ معاني الألفاظ المشتركة والمُتضادّة مُتعدّدة ولا يُحدّدها إلاّ السياق الذي تَرِد فيه، إذ يُعطيها بُعدَها الدَلالي الخاصّ بها بما لا يَدع مجالًا للشكّ والالتباس.
وقد أفاد الغربيون المُحدَثون من تراث العرَب، ومن عِلمهم الغزير في ميدان السياق الدلالي، وتوجّهوا للعناية به ودراسة أثره في فَهم المعنى، وأعانَهم في ذلك تطوّر وسائل البحث اللغوي واكتشاف كثيرٍ من الحقائق اللغويّة المُهمّة، ولا سيّما في علمَي الدَلالة والأصوات. لذا عَمِدَ (جي. آر. فيرث) إلى صياغة نظرية السياق الحديثة التي صارت فيما بعد مُرتكزًا لأصحاب المنهج السياقي. ومن أهم أصولها [5] :
1ـ إنّ الكشف عن المعنى لايكون إلاّ بوضع الألفاظ في سياقات مختلفة، إذ يتحصّل المعنى بحُكم العَلاقة بين الألفاظ وما يجاوِرُها.
(1) رسالة الشافعي 51 ـ 52، 54، وينظر السياق ودلالته في توجيه المعنى 28 ـ 30.
(2) ينظر: تنزيه القرآن عن المطاعن 80، 87، 109.
(3) دلائل الاعجاز 92.
(4) ينظر: تأثير التفكير الديني في البلاغة العربية 73، والبلاغة والأسلوبية 228 ـ 229، والسياق ودلالته في
توجيه المعنى 34 ـ 35.
(5) ينظر: علم اللغة للسعران 340 ـ 341، وعلم الدلالة (مختار) 68، وعلم الدلالة العربي 32.