المبحث الأول
الدلالة الصوتية
للرّموزِ أهميّةٌ في حياة البَشر، واللغة إحدى هذه الرّموز. ذلك أنّ وَسائلَ الاستدلال في الوجودِ كثيرة، فقد تكون إشارات أو علامات أو رموزًا مخطوطة أو صورًا مرسومة، وقد تكون تغيّرات تطرأ على شكل الإنسان ولونه، فتدلّ على حالته النفسيّة والانفعاليّة، ولكن كلّ ذلك لاصلة له باللغة، فاللغة أهمُّ هذه الدوالّ وأكثرُها إيحاءً [1] .
وقد منّ الله العليّ القدير على الإنسان بنعمة القدرة على إنتاج وحدات صوتية دالّة وموحية، يُعبّر بها عن أغراضه وحاجاته، فسَما بهذه القدرة على مخلوقات الكون كافّة. فاللغة الإنسانيةّ هي: (( أصوات يُعبّربها كلّ قَوم عن أغراضهم ) ) [2] ، ولكنّها ليست أصواتًا مُفردة بل هي أصوات مُركّبة دالّة [3] ؛ لأنّ الصوت المُفرد مُبهمٌ لايؤدّي وظيفة إبلاغية إلا بإئتلافه مع أصوات أُخَر، وتكوين مجموعات صوتيّة دالّة، هي الكلمات التي يَنشأ منها الكلام.
وقد شغلت قضيّة اللغة وكيفيّة ائتلاف الأصوات لتكوين الجُمل أذهانَ علماء الغرب والعرب منذ عهدٍ قديمٍ، وبدأت على يد مناطقة اليونان الأوائل الذين سُحِروا بالنظام الصوتي العجيب الذي يتحدّث به الإنسان (( وبدا من سحر الألفاظ في أذهان بعضهم وسيطرتها على تفكيرهم أنْ ربطَ بينها وبين مَدلولاتها رَبطًا وَثيقًا وجعلها سببًا طبيعيًا للفهم والإدراك، فلا تؤدّى الألفاظ إلاّ بها، ولا تخطر الصورة في الذهن إلا حين النطق بلفظ معيّن، ومن أجل هذا أطلق هؤلاء المفكّرون على الصلة بين اللفظ ومدلوله: الصلة الطبيعية أو الصلة الذاتية ) ) [4] ، ورَبطوا الدلالة بين أصوات اللفظ ومعناه بنشأة اللغة، ودخلوا في افتراضات لم تعضّدها الأدلّة العلمية ولا الواقع اللغوي، لذلك فهُم يَفترضون أنّ هذه الصلة كانت واضحةً في بَدء نَشأة اللغة، ولكنّ تطوّر الألفاظ وتغيّر دلالتها أدّى إلى صُعوبة إيجاد مثل هذه الصلة على نحو دائم بين الألفاظ ومعانيها [5] .
ووجدنا صدى هذا الرأي لدى علمائنا العرب الأوائل، فلم يَغِبْ عن أذهانهم وجود صلة بين الألفاظ ومعانيها أو بين الدالّ والمدلول، وأقدمهم في ذلك هو الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) الذي صرّح بهذه الصلة في شرحه لطائفة من الألفاظ العربية، ومن ذلك قوله في لفظة الصَوْقَرير بأنّها: (( حكاية صَوت طائِر يُصَوْقِر في صِياحِهِ، تسمعُ نحو هذه النغمة في
(1) ينظر: دراسات في اللغة والنحو: عدنان محمد سلمان 116.
(2) الخصائص 1/ 33.
(3) الشعر: أرسطو طاليس 114.
(4) الطريق إلى الله 17 ـ18.
(5) دلالة الألفاظ: ابراهيم أنيس62، ودراسة المعنى عند الأصوليين 174.