الصفحة 39 من 337

صوته )) [1] ، وقال في لفظي صَرَّ وصَرصَر، (( صرَّ الجندب صَريرًا، وصَرصَر الأخطب صَرصَرةً، وصَرّ الباب يصِرُّ، وكلّ صوت شبهُ ذلك فهو صرير اذا امتدّ، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة الصوت ضوعِف كقولك: صَرصَر الأخطب صَرصَرة ) ) [2] ، ولكنّه لم يربط الدلالة الصوتية بنشأة اللغة، لأنّه لم يكن مَعنيًا بذلك، وإنّما هي لفتات الحسّ الموسيقي المُرهَف الذي انماز به الخليل، تلك اللفتات التي كان لها قيمة لغوية عالية؛ لأنها تمثّل اللبِنة الأولى التي بَنى عليها مَن تلاه القول بالدلالة الصوتية للألفاظ.

ومن العرب الذين أشاروا إلى هذه الدلالة أيضًا عبّاد بن سليمان الصيمري ـ وهو من معتزلة البصرة ـ فقد نقل عنه أهل أصول الفقه [3] إدراكه لوجود صلة طبيعية بين الدالّ والمدلول، إذ ذَهبَ إلى أنّ الألفاظ تدلّ على مَعانيها بذواتها، وأنّ بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حامِلة للواضع على أنْ يَضع ذلك اللفظ بعينه، وقال: (( وإلا كان تخصيص الاسم المعيّن بالمسمّى المعيّن ترجيحًا من غير مرجِّح، وكان بعض من يرى رأيه يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسُئل ما مسمّى أذغاغ، وهو بالفارسية الحجر، فقال: أجد فيه يَبَسًا شديدًا، وأراه الحجر ) ) [4] ، فهو يرى أن اللغة نشأت قائمة على أساس هذه الصفة الطبيعية.

وقد تبنّى هذا المفهوم بعده ابن جني في بدايات كتابه القيّم (الخصائص) عند كلامه في نشأة اللغة، ثم توسّعَ في الكشف عن هذه الدلالة وعقدَ أكثر من فصلٍ لبيان الصِلة الطبيعيّة بين الألفاظ وما تدلّ عليه [5] ، ولم يقتصر على التناسب الطبيعي، وإنما تعدّاه إلى ما هو أشمل من ذلك، إلى الكشف عن التوافق بين جرس الألفاظ ودلالتها فيما لا صلة له بالمناسبة الطبيعية التي في الكون، فقال: (( فإن كثيرًا من هذه اللغة وجدته مضاهيًا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبّر عنها [6] ، وضَرب لذلك مثالًا فقال: (( ألا تراهم قالوا: قضَمَ في اليابس، وخضَمَ في الرَطب، وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف ) ) [7] 7).

ولم تكن الدراسة الصوتيّة لدى القدماء علمًا قائمًا بنفسه كما هو الحال في علمَي النحو والصرف، فقد قلّت مؤلَّفاتهم المنفردة فيها، غير أنّ هذه الدراسة استقلّت بنفسها، وصارت علمًا منفردًا من علوم اللغة في العصر الحديث نتيجة التطوّر العلمي الذي هيّأ للدارس أجهزة دقيقة

(1) العين (صوقر) 5/ 60

(2) المصدر نفسه (صر) 7/ 81 ـ82.

(3) ينظر طبقات المعتزلة: أحمد بن يحيى بن المرتضى77، ولسان الميزان: 3/ 299.

(4) المزهر 1/ 47.

(5) ينظر باب (إمساس الألفاظ أشباه المعاني) 2/ 154ـ170، وباب (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) 2/ 147ـ154

(6) الخصائص 1/ 65.

(7) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت