المبحث الثاني
تعميم الدلالة
يُسمّى ماوُضِع في الأصل خاصًا ثم استعمل عامًا [1] ، ويسمّى أيضًا تعميم الخاص أو توسيع المعنى، ويُراد به توسّع دلالة الكلمة وانتقالها من معناها الخاص الى معنى أكثر شمولًا وأعمّ دلالة [2] .ويُعزى ذلك إلى سببين رئيسيين:
(1) كثرة استخدام الخاص في معان عامة عن طريق التوسع تزيل مع تقادم العهد خصوص المعنى وتُكسبه العموم [3] .
(2) قلّة الملامح التمييزية للشيء تزيد من عدد أفراده، أو ما يدخل تحته، وهذا عكس ما فسّر به تضييق المعنى. فالعلاقة إذن عكسية، فبزيادة الملامح يكون التخصص، وبقلتها يكون التعميم [4] .
ولاتقلّ أهميّة هذا الشكل من التغيّر الدلالي عن أهميّة سابقه، وإن كان د. إبراهيم أنيس يرى أنّ تعميم الدلالات أقلّ شيوعًا في اللغات من تخصيصها [5] ، وهو الصحيح؛ لأنّ مارود في الكتب القديمة والحديثة من ألفاظ قد عمّمت دلالتها أقلّ بكثير من الألفاظ التي خصّصت دلالتها. ولو حاولنا الوقوف عند ملاحظته هذه وبحثنا عن تعليل مناسب لها، لتبين لنا أن الإنسان بصورة خاصة ـ والحياة بصورة عامة ـ تميل في تطورها نحو التيسير والتحديد والدقّة في التعامل مع الأشياء، ومن وسائل هذا التيسير تخصيص الدلالة، إذ يعيّن لكلّ اسم مُسمّىً، ولكلّ معنىً لفظٌ خاصٌ به، على حين أنّ تعميم الدلالة يجعل تحديد المعاني والمسمّيات أقلّ وقوعًا، وذلك لاشتراك اللفظ الواحد في أكثر من معنى، ولذلك كان وجوده في العُرف اللغوي الاجتماعي أقلّ.
وقد أدرك علماء اللغة الأوائل هذا اللون من التغيّر الدلالي، وأشاروا إليه في طائفة من كتبهم، ومنهم ابن دريد (ت 321هـ) في كتابه (جمهرة اللغة) إذ يعقد فصلًا بعنوان (باب الاستعارات) يتحدث فيه عن اتساع دلالة طائفة من الألفاظ [6] . وكذلك الخطّابي (ت 388هـ) في رسالته التي وضعها في إعجاز القرآن إذ وقف عند توسع الدلالة وجعل الخاص عامًا: فقال: (( وقد يُتوسَع في ذلك حتى يُجعَل العَقر أكلًا، وكذلك اللَسْع؟ ... وحُكي أيضًا عن الأعراب:(أكلوني البراغيث) ،فجعل قَرص البرغوث أَكْلًا، ومثل هذا الكلام كثير )) [7] .
(1) المزهر 1/ 429.
(2) دلالة الألفاظ 154، وعلم اللغة (وافي) 292، وعلم الدلالة (مختار) 243 ودور الكلمة في اللغة 180.
(3) علم اللغة (وافي) 292
(4) علم الدلالة (مختار) 245.
(5) دلالة الألفاظ 154.
(6) جمهرة اللغة 3/ 432 ـ 434.
(7) بيان إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) :الخطابي 42.