وهي الدلالة المُستمَدّة من نظام الجُملة وترتيبها وحركات إعرابها [1] ، أو هي مُحَصّل العَلاقات النحويّة بين كلمات الجُملة الواحدة، سمّاها ابن جني الدلالة المعنويّة [2] .
تقوم على فَهم معاني الكلام، تلك المعاني التي كانت مَحطّ عناية أهل العربية كافّة، فقد عُني بها النحويون ودرسوها في الأبواب النحويّة المُختلفة وحدّدوا دَلالاتها، ومَن المقصود بها، أهو المتكلم أم المخاطَب؟ وحدّدوا نوعها هل هي مَن الخبر أو غير الخبر [3] .
وعُني بها أيضًا المفسّرون واعتمدوا عليها أساسًا لفهم النص القرآني إذ بموجبها يوجّه النحو وأساليب التعبير الأخرى، وهي في كل ذلك لا تأتي مُنفصِلة، بل تُدرَس في ضمن التفسير العام للقرآن [4] .
كما عُني بها البلاغيون، وجَعلوها عِلمًا قائمًا بنفسه سمّوه علم المعاني، الذي يشكّل مع علمي البيان والبديع العلوم الأساس للبلاغة، فدرَسوا علم المعاني بتفصيل وتشعّبوا في ذكر المعاني المَجازية التي تخرُج إليها الأساليب النحويّة الأصيلة من أمرٍ واستفهامٍ ونداءٍ ونهيٍ وغيرِ ذلك [5] .
وحَظيت الدلالة النحويّة بعناية الأصوليين أيضًا؛ لأنّها من الأُسس التي يعتمدونها في الوصول إلى الأحكام الشرعية؛ إذ إنّ علم الأصول (( مُرتبط بتوجيه الترتيب اللفظي وبيان دلالته التي تختلف من تركيب إلى آخر، وكم من المَسائل الشرعيّة التي يختلف الحُكم فيها تبعًا لاختلاف التركيب ومَدلوله ) ) [6] .
ومن العلماء المعنيين بالدلالة النحويّة الطوسي الذي كان أصوليًا ومفسّرًا رائدًا في زمنه وزمن لاحقيه، ولا تزال كتُبه حتى الآن منارَ الباحثين ومدارَ درس الطالبين.
وقد تجلّت عنايته بها في عدّة جوانب جعلها البحث على أربعة مباحث: الأوّل في معاني الكلام، والثاني في دَلالة الجُملة وعَوارضها، والثالث في دَلالة الإعراب وما يترتّب عليه من تغيّر في الدلالات، والرابع في دَلالة الحروف بأنواعها.
(1) التطور الدلالي بين لغة الشعرالجاهلي ولغة القرآن الكريم 276.
(2) الخصائص 3/ 100 ـ 101.
(3) أثر المعنى في الدراسات النحوية حتى القرن الرابع الهجري: كريم حسين ناصح الخالدي 352.
(4) ينظر: الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري235ـ245،والدرس النحوي في كتب الأمالي في القرن ...
الرابع للهجرة: خزعل فتحي زيدان94ـ120،والنسفي نحويًا من خلال تفسيره: حامد عبد
المحسن103ـ120، والبحث النحوي عند الإمام الواحدي: عبد المجيد كاظم206ـ234،والمباحث
النحوية في تفسير مجمع البيان للطبرسي: عامر عيدان 245 ـ 318.
(5) ينظر: مفتاح العلوم 152، والإيضاح في علوم البلاغة: الخطيب القزويني 1/ 12.
(6) أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام 39.