ونراه يُفضّل المجاز على الحقيقة غالبًا، إلاّ أنّ أفضليّته ليست مُطلقة بل هي نسبية تختصّ بموضعٍ من دون آخر [1] 1)، وفي هذه الموازنة يرى أنّ كلاًّ من الحقيقة والمجاز لهما مواضعهما التي يُفضّلان فيها. فقد يكون في موضعه أوْلى وأحسن من الحقيقة؛ لأنّ فيه من الإيجاز والمبالغة في المعنى مالا تنوب مَنابه الحقيقة [2] . وهو يرفض وقوع المجاز من غير ضرورة، وذلك حين يكفي ظاهر القول للدلالة على المعنى [3] ، ويرجّح الحقيقة إذا لم يدلّ دليل على إرادة المجاز؛ لأنّ الحقيقة هي الأصل [4] .
وكان له آراء في المجاز بأنواعه ووقفات دلالية مُهمّة، إذ التفت إلى عدد من علاقات المجاز العقلي [5] ، والمجاز المرسل [6] ، والاستعارة، وأشادَ بحسنها وروعة بيانها في طائفة من آيات القرآن [7] .
وكان الدكتور كاصد ياسر الزيدي قد فصّل في دراسته للمجاز فكفانا بذلك مؤونة البحث فيه وأضاء لنا سبيله، ولذا فقد حرص البحث على تناول المجاز عند الطوسي من جانب آخر يُلحظ فيه إشارته إلى تغيّر المجال الدلالي للألفاظ المُتحوّلة عن معانيها.
وأول تلك الإشارات وأهمّها تسميته عملية التحوّل أو التغيّر الدلالي بعملية (نقل المعنى) ، إذ قال في تفصيل لفظ القوي: (( القوي القادر العظيم المقدور، ومنه وصف الله تعالى القوي العزيز، وأصل القوّة شدّة الفتل من قِوى الحبل، وهي طاقاته يفتل عليها، ثم نقل المعنى إلى القدرة على الفعل ) ) [8] .
و قد ظهر مصطلح (نقل المعنى) في زمن مبكّر، إذ يرجّح بعض المحدثين [9] أن يكون أوّل من استعمل مصطلح النقل هو القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ... 392هـ) [10] 0).
ويرى الطوسي أنّ أسلوب نقل المعنى شائع في أغلب اللغات فضلًا عن شيوعه في العربية، إذ ذكر أنّ: (( العرب يفهم بعضُها مُراد بعض بهذه الأشياء، فمن تعلّق بشيء من هذا ليطعَن به، فإنّما يطعن على لغة العرب، بل على لغة نفسه من أهل أيّ لغة كان. فإنّ هذا
(1) منهج الطوسي 355، وينظر التبيان 8/ 38.
(2) المصدران أنفسهما.
(3) التبيان 1/ 290 ـ 291.
(4) التبيان 2/ 69.
(5) التبيان 6/ 150، 10/ 400 وينظر: منهج الطوسي 356 ـ 357.
(6) التبيان 1/ 412، 3/ 101، وينظر: منهج الطوسي 357.
(7) التبيان1/ 63، 311،7/ 104، وينظر: منهج الطوسي 358ـ359.
(8) التبيان 8/ 44.
(9) مهدي صالح السامرائي: المجاز في البلاغة العربية 208 ,
(10) الوساطة بين المتنبي وخصومه: القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني 41.