القرآن تُفيد التحقيق، لكنّ إصابة رِضا الله أمرٌ صَعبُ الوُصول دقيقُ المسلك، فالسَعيد من رَحمه الله، والشَقيُ من أخرَجه من رَحمته.
جـ ـ دلالة (كَم) الخبرية و (رُبّ) :
و (كَم) الخبرية هي كناية عن العدَد المُبْهم، تدلّ على الكَثرة، ويَستَعملها من يُريد التفاخر والتكثير [1] . وسُمّيت خَبريّة؛ لأنّها تَحتَمل الصِدق والكَذب خِلافًا لـ (كَم) الاستفهاميّة الطَلَبية، والفرق بينهما أنّه في الاستفهاميّة يُسألُ عن عددٍ مُبهَم يُرادُ معرفتُه نحو: كَمْ رجُلًا عندك َ؟ ويكون مُمَيّزها مَنصوبًا، وفي الخَبريّة تُخبِر عن عددٍ كثيرٍ، نحو: كَمْ رجلٍ عندكَ، ويكون مُميّزها مَجرورًا. وتأتي (كَم) في الخَبر بمعنى (رُبّ) ، غير أنّ (كَم) اسم و (رُبّ) حَرف جرٍّ فما بَعد (كَم) يجوز فيه الرفع والجر، وما بَعد (رُبّ) لا يجوز فيه إلاّ الجرّ [2] .
وقد فرّق الطوسي بينَ دَلالة هذين الحرفين، حين فسّر قوله تعالى: {وَكَمْ أهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] .إذ قال: (((كَم) يُفيد التكثير ضدّ (رُبّ) الذي يُفيد التقليل )) [3] ، وأشارَ إلى هذه المقابلة المعنوية بين (كم) الخبرية و (ربّ) قبلَه الرماّني [4] وتُعرَفُ هذه المقابلةُ في اللغة باسم (الحَمْلِ على النَقيض) إذ يُحمَل الشيء على ضدِّه [5] .
وتُعرَب (كَم) مَفعولًا للفعل: أهلكنا، وجاءت (مِن) هنا لتُبين إبهامَها، والمعنى كثيرًا من القرون [6] . إذ تصف الآية كثرة الأقوام الذين كفروا وحلَّ بهم البَوار، وفيها تخويف لكفّار مكّة ووعيد من الله تعالى وتهديد لهم بالعقاب، وإعلامٌ منه أنّهم إن لم يَنتهوا عمّا هُم عليه مُقيمون من تكذيبهم رسوله عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام [7] ، فإنّهم مهلكون كما أهلك السابقون.
(1) شرح المفصل 4/ 126،وشرح قطر الندى240، وشرح شذور الذهب 546، وينظر: معاني النحو 2/ 432 ـ433
(2) الكتاب 2/ 156، 161، 170، والمقتضب 3/ 65 ـ 66.
(3) التبيان 6/ 462.
(4) الحدود في النحو 38.
(5) دلالة الإعراب لدى النحاة القدماء: بتول قاسم ناصر 33
(6) مدارك التنزيل 3/ 45.
(7) ينظر: جامع البيان 15/ 57، والجامع لأحكام القرآن 10/ 235.