الصفحة 200 من 337

ومنه أيضًا قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشَى} [طه:44] ، فالحديث مُوجّه لموسى ـ عليه السلام ـ وأخيه هارون حين أمرَهما الله أن يذهبا إلى فرعون ويَدْعواه إلى الإيمان بالله وبما جاءا به (( على الرَجاء والطَمع لا على اليأس من فَلاحه، فوَقعَ التعبّد لهُما على هذا الوَجه؛ لأنّه أبلغُ في دُعائه إلى الحقّ بالحِرصِ الذي يكون من الراجي للأمْرِ ... ) ) [1] .

2ـ التعليل: إذ تأتي بمعنى (لام الغَرَض) ، أو بمعنى (لكي) من ذلك قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] ، فهي لدى الطوسي بمعنى: (( لكي تتفكّروا، وهي لام الغرض، وفي ذلك دَلالة على أنّ الله تعالى أرادَ منهم التفكّر سواءً تفكّروا أو لم يتفكّروا ) ) [2] ، وقد وردت (لعلّ) بهذه الدلالة في القرآن كثيرًا [3] .

3ـ التنبيه: ويدخل في باب الترجّي، ومنه قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيي اللهُ الْمُوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ} [البقرة:73] ، فالمعنى: (( لِتَعقِلوا، وقد كانوا عُقّالًا قبلَ ذلك؛ لأنّ مَن لا عقلَ له لا تلزمُه الحُجّة، لكنّه أرادَ تنبيهَهم، وأن يَقبَلوا ما يُدعَون إليه ويُطيعوه ويَعرِفوه حقَّ معرِفَته ) ) [4] ، فليست (لعلَّ) هنا للترجّي أو التعليل؛ لأنّ التعقّل موجودٌ أصلًا، ولكنّها أفادت التنبيه على ضرورة أخذ هذه الدَعوة بالعَقل والتدبير [5] .

4ـ الشكّ: وعدّه ممّا لا يجوز على الله تعالى [6] ، وهو يدخلُ أيضًا في باب الترجّي؛ لأنّ الترجّي يقوم أصلًا على الشكّ في توقّع حُصول الشيء أو عدم حُصوله. ومثاله قوله تعالى: {وَأطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] . والمعنى: (( ينبغي للعِباد أن يَعمَلوا بطاعةِ الله على الرَجاء للرَحمة بدُخول الجَنة ... وفيها مَعنى الشكّ، لكنّه للعباد دون الله تعالى ) ) [7] ، وقيل: أي لتُرحَموا فلا تُعذَّبوا [8] .

ويستدلّ النسَفي [9] (ت710هـ) من هذه الآية على أنّ بلوغ رِضا الله ودخول الجنة ليس بالأعمال الصالحة فقط، وإنّما هو برَحمةٍ من الله سبحانه وتعالى، فعلى الرغم من أنّ (لعلّ) في

(1) التبيان 7/ 175، وينظر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز 2/ 696، والجامع لأحكام القرآن 11/ 200 ـ201.

(2) التبيان 2/ 214.

(3) ينظر: البقرة: 21، 52، 65، 150،179، آل عمران: 103، 123، المائدة: 6، 35، وغيرها كثير.

(4) التبيان 1/ 305.

(5) التفسير الكبير 1/ 3/554.

(6) التبيان 2/ 588.

(7) التبيان 2/ 590.

(8) جامع البيان 4/ 91.

(9) مدارك التنزيل 1/ 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت