وهي من الأحرُف المشبّهة بالفِعل التي تدخلُ على المبتدأ والخبر، فتنصبُ الأوّل اسمًا لها وترفعُ الثاني خبرًا لها. وهي تفيد تَوقُّع شيءٍ مَرجوٍّ أو مَخوفٍ [1] ، فتكونُ في الترجّي للمَرجوِّ المَحبوب، وللإشفاقِ في المَخوفِ المَكروه [2] ، وتختصُّ بالمُمْكن المُتوَقّع [3] . وقد تخرُج عن دَلالتها الأصليّة إلى دَلالات أخرى يقتَضيها السياقُ وحالُ المتكلّم والمُخاطَب.
وقد أشارَ الطوسي إلى طائفة من دَلالاتها أهمّها:
1ـ الترجّي: قال: (((لعلّ) للترجّي، إلا أنّه يكون لتَرجّي المُخاطِب تارةً، ولتَرجّي المُخاطَب تارةً أُخرى )) [4] ،إذ يربط دلالة الحدث الكلامي بالباثّ والمتلقّي معًا، ويمثّل هذا الإرتباط أهمّ الأسس التي اعتمدها علم اللسانيات الحديث في استنطاق الفكر العربي القديم [5] .
وهو يستبعد دلالتها على الترجّي في القول العائد لله عزَّ وجلَّ، بل يحملُه دَومًا على أنّه ترَجٍّ من العِباد، إذ لا يجوز الترجّي على الله. ومن ذلك قولُه تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] ، فقد ذكر في دَلالة (لعلّ) قولين:
أحدهما: (( ليَرشُدوا، فتكون دالّةً على العِوَض في الإجابة من الله تعالى للعَبد ) )، أي هي بمَعنى: (كي) . إذ وردَت مَسبوقةً بطَلَب الدُعاء والاستِجابة، والمَعنى: فلْيَستَجيبوا لي بالطاعة ولْيؤمِنوا بي، فيُصدِّقوا على طاعتِهم إيّاي بالثَواب منِّي لهُم ولْيَهتَدوا بذلك من فِعلهم فيَرشُدوا [6]
والآخر: (( على الرجاء والطَمع؛ لأنْ يَرشُدوا، ويكونُ متعلّقًا بفِعل العِباد ) )، أي توقُّع وترجّي استجابة الدُعاء من الله [7] ، وهو أملٌ مُتعلّق في نفس كلّ مؤمنٍ.
والراجح هو الرأي الأوّل؛ لأنّ فيه معنى تأكيد الثَواب والهِداية بعد الإيمان بالله والقيام بطاعته، وهو الأنسب لسياق الآية المعنوي؛ لأنّ فيها وَعدًا من الله الذي لايُخلِف وَعده باستجابة الدعاء، ولتأكيد هذه الاستجابة لا يمكن أن تكونَ (لعلّ) دالّةً على الترجّي أو الشكّ، وإنّما هي بمعنى (كي) .
(1) الكتاب 2/ 148، والمفصل 140.
(2) الكتاب 4/ 233، وشرح ابن عقيل 1/ 346، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 1/ 329، وشرح قطر الندى
وبل الصدى: ابن هشام الأنصاري 149.
(3) مغني اللبيب 1/ 287.
(4) التبيان 7/ 175.
(5) ينظر:
(6) جامع البيان 2/ 158 ـ 161.
(7) البرهان في علوم القرآن 1/ 93.