الحركات التي تَعرِض لأواخرِ الكلمات، إنّما جيء بها للتخفيف من الثِقَل الناشئ من إسكان الحروف، إذ (( أعرَبتْ العرب كلامَها؛ لأنّ الاسم في حال الوَقف يلزمُه السُكون للوَقف، فلو جعلوا وصلَه بالسُكون أيضًا، لكان يلزمُه الإسكان في الوَقف والوَصل، وكانوا يُبطِئون عند الإدراج، فلمّا وصَلوا وأمكنهم التحريك، جعلوا التحريك مُعاقبًا للإسكان ليتعدّل الكلام ) ) [1] . متأثرًا في ذلك برأي الخليل الذي نقله سيبويه، وقال فيه (( وزعم الخليل أنّ الفتحة والكسرة والضمة زوائد، وهنّ يلحقن الحرف ليوصل إلى التكلّم بها ) ) [2] ، ولكنّه لم يجعله الوظيفة الوحيدة للحركات، بدليل ما نقله عنه سيبويه في مواضع أخر من جعله الحركات علامات على المعاني [3] .
ونقل الزجّاجي قول من ردّ على قطرب فقال: (( لو كان كما زعم لجاز خفض الفاعل مرة ً، ورفعه أخرى ونصبه، وجازَ نصب المضاف إليه؛ لأنّ القصد في هذا إنّما هو الحركة تُعاقبُ سكونًا يَعتدِل به الكلام، وأيّ حركةٍ أتى بها المُتكلّم أجزأتْه، فهومُخيّر في ذلك. وفي هذا فسادُ الكلام وخروجٌ على أوضاع العرب وحكمة نظام كلامهم ) ) [4] .
أمّا المحدثون فقد سارَ أغلبهم على مذهب جمهور النحويين في القول بوجود الإعراب وأثره في المعنى النحوي، سوى د. ابراهيم أنيس [5] ود. نهاد موسى [6] اللذين أيّدا رأي قطرب، فضلًا عن ذلك فإنّ د. نهاد جعل المِعيار الذي بموجبه تتحدّد الوظيفة التركيبية أو المعنى النحوي للكلمة متمثلًا بالقرائن اللفظية والمعنوية من نبر وتنغيم وترتيب وليس للحركات أثر في ذلك (8) .
وردّ ذلك طائفة من المُحدثين [7] مؤكّدين وجودالإعراب قبل الإسلام وبعده، بدليل وجوده في القصائد الشعرية، وفي القرآن الكريم رسمًا وتلاوةً. والحركات لديهم ثلاث: الضمّة وهي علمُ الإسناد، والكسرة وهي علمُ الإضافة، والفتحة وهي علمُ ما ليس بإسناد ولا إضافة. وهي لديهم علامات المعنى، فلكي نفهم النص يجب أن ننظر إلى علامات إعرابه سواء أكانت منطوقة أم مكتوبة، لنُحدّدَ بموجَبها المَبنى العام للجملة الذي يقوَدنا إلى المعنى.
وتعدّ لغة القرآن من أقوى الأدلّة على أثر الحركات الإعرابية في المَعنى؛ لأنّ عُمق معانيه ودقّة أحكامِه توجِب تحديد المَوقع الإعرابي لكلّ كلمةِ في جملة من الآيات، من ذلك قوله تعالى
(1) الإيضاح في علل النحو: الزجاجي 70 ـ 71
(2) الكتاب4/ 241ـ242.
(3) الكتاب1/ 92.
(4) المصدر والموضع أنفسهما.
(5) ينظر: من أسرار اللغة 202ـ211.
(6) و (8) تاريخ العربية 20.
(7) ينظر إحياء النحو: إبراهيم مصطفى 48 ـ 52، وفي النحو العربي: نقد وتوجيه: 63، وفقه اللغة (وافي) 215
والفعل: زمانه وأبنيته 224، واللغة العربية: معناها ومبناها191.