وقد ورد هذا اللفظ في القرآن بدلالته العامّة الدالّة على الفهم العميق النافذ الذي يتعرّف غايات الأقوال والأفعال [1] 4)، وذلك في قوله تعالى {فَمَالِ هَؤُلآءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] .
ويتفق قدماء الأصوليين [2] ومحدثيهم [3] على أنّ الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلّتها التفصيلية.
ولأنّ الطوسي فقيهًا وأصوليًا قبل أن يكون مفسّرًا، فقد كان تفسيره زاخرًا بالمصطلحات الفقهية: كالمُطلق والمُقيّد [4] 7)، والعام والخاص [5] 8)، والناسخ والمنسوخ [6] 9)، وزخر كذلك باستدلالات فقهية استقاها من آيات الذكر الحكيم بعد أن سبرغور المعاني الثانوية التي تحملها، فلا يغفُل أيّ موضع يمكن الإشارة فيه إلى مفهوم أو حُكم فقهي مُستنبط من كلام الله تعالى. فمن ذلك وقوفه عند قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... } [البقرة: 187] . إذ بيّن أنّ المراد بياض الفجر من سواد الليل، ثم حكى بصيغة التضعيف (قيل) إنّه: خيط الفجر الثاني ممّا كان في موضعه من الظلام، وقيل: النهار من الليل، فأوّل النهار طلوع الفجر لأنّه أوسع ضياءً، وحكى قولًا آخر رُوي فيه: أنّ الخيط الأبيض هو ضوء الشمس، ولكنّه رجّح القول الأول؛ لأنّ عليه أكثر المفسرين، وجميع الفقهاء بلاخلاف [7] 10).
وقد عُني بالموازنة بين المذاهب الإسلامية في الأحكام الفقهية [8] ، حتى أنّه قد يعقد فصلًا فقهيًا يجمع فيه مسائل وأحكامًا في أمر من أمور الشريعة [9] أو بعض فروضها وينحو في ذلك محنى الموازنة بين المدارس الإسلامية فتجد لديه أراء كبار أئمة المسلمين كأبي حنيفة والمالكي والشافعي، وبذلك يصلح تفسيره أن يكون مرجعًا من مراجع الفقه الإسلامي المقارَن، فضلًا عن أنّه كثيرًا ما يُحيل الى
(1) أصول الفقه لأبي زهرة 6.
(2) ينظر: المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري 1/ 8، والمستصفى من علم الأصول1/ 1.
(3) أصول الفقه لأبي زهرة 6.
(4) التبيان 3/ 396، 4/ 6، 10، 88، 5/ 132 ... .
(5) التبيان 1/ 42، 55، 59، 121، 2/ 28، 85، 185، 3/ 95، 423 ... .
(6) التبيان 1/ 331، 393، ـ 395، 407،2/ 15، 102، 107، 4/ 340.
(7) التبيان 2/ 134، وينظر: مجمع البيان 1/ 279.
(8) ينظر: التبيان 2/ 44، 140.
(9) التبيان 2/ 126.