وَلَكِنَّ قَابِيلَ لَمْ يَخَفْ النَّارَ التِي خَوَّفُه بِهَا أَخْوُهُ ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ ( وَقِيلَ إنَّ القَاتِلَ يَحْمِلُ فِي الآخِرَةِ إِثْمَ مَنْ قَتَلَهُ وَمَا عَلَيهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَحُقُوقٍ لِلْعِبَادِ ، لأَنَّهُ بِقَتْلِهِ مَنَعَهُ مِنْ أنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ ، وَوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ إنْ أرَادَ ذَلِكَ ) .
فَحَسَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ ، وَشَجَّعَتْهُ عَلَيهِ ، بَعْدَ أنْ سَمِعَ مِنْ أخِيهِ المَوْعِظَةَ فَلَمْ يَتَّعِظْ ، وَلَمْ يَزْدَجِرْ ، فَقَتَلَهُ ، فَأصْبَحَ القَاتِلُ مِنَ الخَاسِرِينَ فِي الدُّنيا بِفَقْدِهِ أخَاهُ ، وَفِي الآخِرَةِ إذْ أصْبَحَ مِنْ أهْلِ النَّارِ .
( وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ، لأَنَّهُ كَانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ") . ( رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) .
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَسْتَفِيدَ مِنْ تَجَارِبِ غَيْرِهِ ، فَلَمَّا مَاتَ الأخُ القَتِيلُ ، تَرَكَهُ القَاتِلُ فِي العَرَاءِ ، وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَدْفِنُهُ ، فَبَعَثَ اللهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلاَ ، فَقَتَلَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ ، فَحَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ألْقَاهُ فِيهَا ، ثُمَّ حَثَا عَلَيهِ التُّرَابَ . فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ آدَمَ القَاتِلُ قَالَ: يَا وَيْلَتَا أَعَجِزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرَابِ فَأوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي؟ فَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَل .