وقد شاع التوكيد في لغة العرب حتى شمل كل أمرٍ ذي بالٍ، ولكثرة تداوله أصبح يذكر بقصد أو بغير قصد، فلا يكاد يخلو منه حديث [1] . وهو من سننهم ومذاهبهم يلجؤون إليه إذا أرادوا توكيد الأمر والعناية به وإفهامه للآخرين [2] .
ب ـ التوكيد في اصطلاح النحاة
التوكيد اللفظي في اصطلاح النحاة: تابع يقرر معنى المتبوع في ذهن السامع، ويجعله متحققًا بعيدًا عن الاحتمال بحيث لا يظن به غيره، وهو نوعان: توكيد لفظي وتوكيد معنوي. فاللفظي: هو تكرار المتبوع بلفظه كقولك (زهق زهق الباطل) " [3] ."
فسيبويه (180 هـ) . تتسع عنده دائرة الإشارة إلى التوكيد في كتابه، وبخاصة عندما يتكلم عن التكرير، إذ يجعل التكرير توكيدًا للأول، فيكون الأول بمنزلة الآخر وذلك
قولك (يا زيد زيد عمرو) [4] .
أما الفراء (207 هـ) في كتابه (معاني القرآن) فيدخل في تفصيل يغلب عليه الطابع النحوي الذي يؤثر في الكلام المكرر فيجعله حسنًا أو قبيحًا، ويتحدث عن التكرار بشتى صوره [5] . ومن ذلك قوله"ولو وقعت على الأول اجزأك من الثاني وهو كقولك للرجل: نعم نعم، تكررها، أو قولك: أعجل أعجل، تشديد المعنى" [6] . فهو إذن لم يكتف بالنظرة العجلى والإشارة المقتضبة، بل كان نظره في التكرار أكثر بعدًا وأدق تحديدًا ساعده على ذلك النص القرآني الذي تصدى لدراسته، وهو نص غني بصور عديدة وألوان زاخرة من التكرار لا يمكن لباحث ذكي أن يغفل عنها وعن أسرارها، على أن التفاتاته في هذا المجال ظلت تدور حول الدرس النحوي وما يفرضه من تحديدات [7] .
أما ابن جني (392 هـ) فقد تكلم في كتابه (اللمع) عن التوكيد وقال عنه إنه لفظ يتبع الاسم المؤكد في إعرابه ويكون لرفع اللبس، وإزالة الاتساع [8] . ويشير ابن برهان
(1) أساليب التوكيد في القرآن الكريم، كاظم فتحي الراوي، مجلة آداب المستنصرية، العدد الأول، 1975 ـ 1976، ص: 165.
(2) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة: 182.
(3) معجم المصطلحات العربية في اللغة والآداب، د. مجدي وهبه د. كامل المهندس: 71.
(4) الكتاب: 2/ 205.
(5) اثر النحاة في البحث البلاغي، عبد القادر حسين: 140.
(6) معاني القرآن: 1/ 177.
(7) التكرار اللفظي أنواعه ودلالاته قديمًا وحديثًا، صميم كريم إلياس، رسالة ماجستير، بإشراف
د. ناصر حلاوي، جامعة بغداد، كلية التربية، 1988: 21.
(8) اللمع: 66.