الصفحة 21 من 106

جـ ـ التوكيد اللفظي في اصطلاح البلاغيين

لقد أشار الجاحظ (ـ 255 هـ) إلى تكرار قصص الأنبياء في القرآن وكذلك تكرار ألفاظ الجنة والنار وأمور أخرى كثيرة، ولكنه في كل ذلك لا يستخدم لفظة التكرار أو التوكيد اللفظي بل يسميه (الترداد) وهو لا يبتعد كثيرًا عن التكرار سوى أنه يوحي بموسيقية أكثر للألفاظ المكررة، ووظيفته عنده الإفهام [1] .

أما ابن قتيبة (ـ 276 هـ) فقد تحدث عن التكرار اللفظي في كتابه (تأويل مشكل القرآن) الذي يسميه تكرار الكلام من جنس واحد، كقوله تعالى: (أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى) [2] فهذا يراد به تأكيد للمعنى الذي كرر باللفظ [3] . وهو يرى أن التكرار في القرآن ليس بالشيء الجديد على العرب لأنه."نزل بلسان القوم وعلى مذاهبهم، ومن مذاهبهم التكرار الأداة التوكيد والإفهام" [4] .

أما أبو هلال العسكري (ـ 395 هـ) لم يعط تعريفًا للتوكيد اللفظي في كتابه (الصناعتين) وإنما عده نوعًا من التكرار إذ قال:"استعملوا التكرار ليتوكد القول"

للسامع، وقد جاء في القرآن وفصيح الشعر منه شيء كثير، فمن ذلك قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون) [5] . وقوله تعالى: (فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا) [6] . فيكون للتوكيد كما يقول القائل (أرم أرم) و (أعجل أعجل) .

وقد قال الشاعر:

كم نعمةٍ كانت لكم ... كم كم وكم [7]

أما عبد القاهر الجرجاني (ـ 471 هـ) فلم يتطرق في كتابه (دلائل الإعجاز) إلى التوكيد اللفظي وإنما اكتفى بعقد فصل سماه (في التوكيد وعلاماته) [8] .

(1) البيان والتبيين: 1/ 105.

(2) سورة القيامة؛ الآيتان: 34 ـ 35.

(3) تأويل مشكل القرآن: 181.

(4) المصدر نفسه: 182.

(5) سورة التكاثر؛ الآيتان: 4 ـ 5.

(6) سورة الشرح؛ الآيتان: 5 ـ 6.

(7) كتاب الصناعتين: 212 ـ 213.

(8) دلائل الإعجاز: 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت