الصفحة 49 من 106

التكرار [1] . وهذا التكرار يجعل المعنى راسخًا في ذهن السامع في أن هؤلاء الذين يؤخذون إلى جهة النار هم أصحابه وأتباعه، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك [2] . فالتوكيد وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس السامعين وإقراره في أفئدتهم، حتى يصبح عقيدة من عقائدهم [3] .

والحديث الرابع، يشير إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اشترك في بناء الكعبة وإعادة تشييدها، فكان ينقل الحجارة على كتفه وقد جعل الإزار على عاتقه فانكشفت عورته وخر إلى الأرض مغشيًا عليه وعندما أفاق أخذ يكرر لفظة (إزاري) [4] . والإزار معروف وهو الملحفة التي يلتف بها [5] . ومما لاشك فيه أن هذا التكرار مرتبط بالحالة النفسية، إذ أراد - صلى الله عليه وسلم - أن تستر عورته بالإزار سريعًا فكرر اللفظة مرتين حتى يبادر أحدهم إلى تلبية طلبه.

وبناء على ما تقدم من الأحاديث النبوية الشريفة نلحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينشد من وراء أحاديثه تلك ترسيخ المعنى في النفس. وإماطة الشكوك ودفع التوهم [6] .

ومن المعاني التي عبر عنها التوكيد اللفظي بالاسم في الصحيح، التحذير والإغراء.

فالتحذير تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه [7] . ومن ذلك:

قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :"القبر القبر" [8] . عندما رأى أنس بن مالك يصلي عند القبر.

إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن اتخاذ القبور مساجد يسجدون إليها ويعبدونها أو يعظمونها [9] .

وأشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، فنلحظ عمر بن الخطاب يحذر أنس بن مالك عندما صلى عند القبر، فالتوكيد جاء ليحذر من اتخاذ القبور مساجد في الصلاة.

(1) التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة أسلوبية، د. موسى ربابعة، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الخامس، العدد الأول، 1990، ص: 176.

(2) جواهر البخاري وشرح القسطلاني، مصطفى محمد عمارة: 382.

(3) من بلاغة القرآن، أحمد أحمد بدوي: 143.

(4) الكرماني بشرح صحيح البخاري: 15/ 61.

(5) لسان العرب (مادة أزر) : 5/ 73.

(6) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 140.

(7) معاني النحو، د. فاضل صالح السامرائي: 2/ 225.

(8) صحيح البخاري: 1/ 86.

(9) البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق، د. عبد الملك السعدي: 100، ينظر، زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم الجوزية: 1/ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت