ففي الحديث الأول، إن التيامن في الشرب سنة عن النبي الكريم بما شرف الله به أهل اليمين [1] . فمن آداب الشرب في الإسلام أن يقدم اليمين على غيره، فقدم الأعرابي في الشرب على أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) لفضل اليمين على الشمال، ونلحظ في هذا التكرار مبالغة في الندب الذي يحث على تأكيد السبق.
أما في الحديث الثاني، فيحث أصحابه على الآداب الإسلامية وذلك عندما جاء بعض الصحابة ليقصوا عليه حادثة مقتل عبد الله بن سهل في قليب خيبر وأرادوا أن يتكلموا جميعًا [2] . فكرر لفظة (الكبر) مرتين، لما فيها من دلالة على تأكيد تقديم الأكبر سنًا في
الكلام، وفي ذلك توجيه للآخرين على الالتزام بهذا الأمر.
وعند التأمل في سياق الحديثين السابقين نلحظ أن في الندب تلطفًا في التعبير يناسب المقام ويحقق استجابة المخاطبين"فالأسلوب بمثابة قائد لفظي للمتلقي" [3] .
ومما خرج إليه التوكيد اللفظي بالاسم في الصحيح: التعجب، حيث."أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال"ماله ماله وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أرب ماله تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم" [4] ."
لقد كان الاستفهام النبوي، في هذا الحديث، بتكرار لفظة (ماله) مرتين، وهي مكونة من كلمتين هما (ما) وتفيد الاستفهام و (له) متعلقة بالرجل نفسه [5] . ويفهم التعجب من هذا التكرار، حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متعجبًا من حرص الرجل على سؤاله، فالتعجب تعبير عن شعور المتكلم ازاء أفعال المخاطب [6] . وقد لحظ الزمخشري ما في طريقة التعجب من قوة في الأداء ونفاذ إلى أدق مواطن الإدراك في النفس، ومن التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين، لأنه لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله [7] .
(1) عمدة القاري: 21/ 195.
(2) المصدر نفسه: 24/ 59.
(3) البلاغة والأسلوبية، د. محمد عبد المطلب: 170.
(4) صحيح البخاري: 1/ 243.
(5) عمدة القاري: 8/ 239.
(6) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 132.
(7) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري: 315 ـ 316.