فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 176

وكلمة الناس في قوله (وما أكثر الناس) تفيد العموم كقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] [1] ، في حين ذهب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إلى أن المراد بها أهل مكة [2] ، ومعنى ولو حرصت: أي ولو بالغت في طلب ايمانهم بإظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك، فهم لا يؤمنون لفرط عنادهم وتصميمهم على الكفر [3] .

وجملة الشرط (ولو حرصت) مكتنفة بين اسم (ما) وخبرها، وجواب (لو) محذوف على رأي أهل البصرة، لأن الجواب لا يتقدم في مذهبهم على الأداة [4] ، وقال ابن جني:"من ذلك قولهم: (أنت ظالم إن فعلت) ألا تراهم يقولون في معناه: (إن فعلت فأنت ظالم) ، فهذا ربما أوهم أن (أنت ظالم) جواب مقدم، ومعاذ الله أنْ يقدم جواب الشرط عليه، وإنما قوله: (أنت ظالم) دال على الجواب ساد مسده، فأمّا أن يكون هو الجواب فلا" [5] ، وعليه فالجزاء المتقدم في الآية تفسير للجواب، ودليل عليه والتقدير: (ولو حرصت فما أكثرهم بمؤمنين) [6] .

في حين ذهب أهل الكوفة إلى أن المتقدم هو الجواب، لأن الأصل في الكلام عندهم: (وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت) . والذي يبدو للباحث أن المتقدم إنما قدّم مراعاة لمعيار الكثرة والقلة [7] ، إذ من المعلوم أن السمة الغالبة للأفراد هي قلة الإيمان، قال - سبحانه وتعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: 70] فأكثر الناس يحتكمون إلى أهوائهم ويميلون إلى شهواتهم وما ذاك إلاّ لقلة ايمانهم، قال الزمخشري عند حديثه عن علة تقديم الظالم وتأخير المقتصد في قوله - سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} [فاطر / 32] ،"فإن قلت"

(1) ينظر: الكشاف 2/ 346.

(2) ينظر: البحر المحيط 6/ 331.

(3) ينظر: روح المعاني 13/ 64.

(4) ينظر: الأصول في النحو 2/ 196.

(5) الخصائص 1/ 283.

(6) ينظر: روح المعاني 13/ 64.

(7) ينظر: التعبير القرآني / 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت