المبحث الخامس
الجملة التفسيرية المصدرة بـ (أنّ) المشددة
تحدثنا في التمهيد عن أدوات التفسير وذكرنا أن جمهور النحاة لم يعدوا (أنَّ) المفتوحة الهمزة المشددة النون من أحرف التفسير لأنها حرف مصدري يفيد التوكيد [1] .
ولعل الفراء أول من ألمح إلى تأدية هذه الأداة وظيفة التفسير [2] ، فضلًا عن وظيفتها الأساسية التي أشرنا إليها آنفًا، وقد وافقه في ذلك من المحدثين على حيدر [3] ، والطاهر ابن عاشور، وجعل لها الأخير من الشروط ما لـ (أنْ) المفسرة إذ قال:
"وأرى أن حرف (أنّ) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد ما فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد" [4] . وهذا نص واضح في الموضوع، لا يحتمل الخلاف أو التأويل.
ولأجل إلقاء مزيد من الضوء على هذه المسألة سنعمد إلى اختيار نماذج قرآنية نبين من خلالها هذه المسألة، فمن ذلك ما ورد في قوله - سبحانه وتعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39] .
فقد وردت هذه الآية في سياق بيان قصة ولادة سيدنا يحيى - عليه السلام - الذي انجبته أمه وهي في سن اليأس على إثر دعوة دعاها أبوه النبي الكريم سيدنا زكريا - عليه السلام - [5] ، قال - سبحانه وتعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] .
(1) الجنى الداني / 402.
(2) معاني القرآن 1/ 472.
(3) اعراب سورة آل عمران / 73.
(4) التحرير والتنوير 9/ 257.
(5) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 26.