ابنك يوسف قيل له إنك قادم فتلقاك بما ترى [1] ، وقوله (ادخلوا مصر) فيه قولان أحدهما: أن يكون سيدنا يوسف - عليه السلام - قد ضرب مضربًا خارج البلد نزل فيه، ثم دخلوا عليه فآوى إليه أبويه أي ضمهما وعانقهما، ثم قال لأبيه وأخوته ادخلوا مصر [2] ، والآخر: أنهم دخلوا عليه في مصر وأراد بقوله (ادخلوا مصر) : تمكنوا واستقروا فيها إن شاء الله آمنين أي من القحط وسائر المكاره [3] .
وجملة الشرط وهي قوله (إن شاء الله) وقعت مكتنفة بين دفتي الجواب، وأصل الكلام في غير القرآن (إن شاء الله ادخلوا مصر آمنين) ، ولكنه قدم جزءًا من الجواب وهو (ادخلوا مصر) وأبقى الحال الذي يمثل الجزء الآخر في مكانه فاكتنف الجواب جملة الشرط الدالة على المشيئة، ولعل في ذلك والله أعلم اشارة إلى أن بداية كل حدث ونهايته متعلقة بالمشيئة الإلهية، فليست المقدمات تؤدي حتمًا إلى النتائج إلاّ باقترانها بتلك المشيئة [4] ، في حين ذهب الزمخشري إلى التوجيه الذي كان شائعًا عند جمهور النحاة، فقال:"فإن قلت بم تعلقت المشيئة؟ قلت بالدخول مكيفًا بالأمن لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم ... والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه" [5] .
كذلك يمكن ملاحظة هذا الشكل في قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .
فقد نزلت هذه الآية في سياق تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ روى أن قريشًا واليهود سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يوسف، فنزلت مشروحةً شرحًا وافيًا في سورة يوسف - عليه السلام - وأمّل النبي - عليه السلام - أن يكون ذلك سببًا لإسلامهم فخالفوا ما أمله، فعزاه الله تعالى بهذه الآية الكريمة [6] ،.
(1) ينظر: التفسير الكبير / 18/ 167 ـ 168.
(2) ينظر: الكشاف 2/ 344.
(3) ينظر: روح المعاني 13/ 57.
(4) ينظر: الاكتناف في بناء الجملة الشرطية القرآنية (بحث مقبول للنشر في مجلة آداب الرافدين) / 6.
(5) الكشاف: 2/ 344.
(6) ينظر: البحر المحيط 6/ 330.