والذي يبدو للباحث أن ما ذكره يحتاج إلى تأمل، إذ إنّ الجملة المفسرة تقوم بتفسير المبهم الذي تضمنته الجملة السابقة لها وايضاحه، وجملة الاستئناف البياني تقع جوابًا عن سؤال ينشئه الكلام المتقدم عليها لوجود نوع من الغموض فيه فتقوم بازالته وعليه فلا يوجد اختلاف كبير من وجهة نظر الباحث بين وظيفة الجملتين، إذ إنّ كلًا منهما تؤدي في السياق الذي ترد فيه الوظيفة ذاتها.
ولأجل القاء مزيد من الضوء لايضاح هذه المسألة سنعمد إلى اختيار شواهد من النصوص القرآنية تدعم هذه النتيجة.
وقد تنوع ورود هذا النمط من الجمل في القرآن الكريم بين الجملتين الفعلية والأسمية، وكان الطابع الفعلي هو السائد فيها:
أولًا: الجملة الفعلية:
انحصرت الجملة الفعلية في هذا النمط في قسمين: جمل ماضية وجمل مضارعة. ومن شواهد القسم الأول [1] قوله - سبحانه وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .
فقد نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد وأنواع الأذى [2] ، وقيل في يوم أحد [3] .
وقد خاطب بها الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين بعدما ذكر اختلاف الأمم السابقة على انبيائها في الآية المتقدمة تشجيعًا لهم وحثًّا على الثبات واتباع الحق ومخالفة ما درجت عليه تلك الأمم من عصيان وتكذيب للرسل [4] ، قال - سبحانه وتعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ
(1) ينظر أيضًا على سبيل المثال السور: البقرة / 30، 32، 61، وآل عمران / 37، 38، والنساء /
77، 97، والمائدة / 1.
(2) ينظر: أسباب النزول للواحدي / 60.
(3) ينظر: البحر المحيط 2/ 371.
(4) ينظر: الكشاف 1/ 355، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 497.