فهو استئذان مقيد بحال كونهم {قَائِلِينَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} ، ومعنى قوله {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي غير حصينة معرضة للعدو والسراق [1] ، والعورة في الأصل: الخلل أطلقت عليه من باب المبالغة [2] ، وفي قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا} تكذيبٌ صريح للمنافقين، إذ إنّ المدينة يومئذٍ كانت محصنة بخندق، وجيش المسلمين على نوافذها يحرسها [3] .
حتى إذا انتقلنا إلى شاهد آخر، فإننا سنقف عند قوله - سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمُ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .
إذْ نزلت هذه الآية في بني النضير الذين نكثوا عهدهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إثر معركة أحد [4] ، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - جلاءهم من حصونهم عقوبةً لهم، فأبوا ذلك، وكانت لهم حصون يتمنعون بها وكانوا قومًا أولي بأس ومنعة وعدّة وعدد [5] ، حتى إن المسلمين لم يخطر ببالهم امكانية اخراجهم منها [6] ، قال - سبحانه وتعالى: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} [الحشر: 2] .
ويلحظ أن تقديم الخبر في قوله - سبحانه وتعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ} واسناد الجملة إلى الضمير (هم) هو للدلالة على فرط وثوقهم بحصانة حصونهم واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها، قال الزمخشري:"فإن قلت: أي فرق بين قولك (وظنوا ان حصونهم تمنعهم أو مانعتهم) وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعتها إياهم في تصيير ضمير (هم) اسمًا لـ (أنّ) ، واسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في"
(1) ينظر: الكشاف 3/ 254.
(2) ينظر: ارشاد العقل السليم 5/ 215.
(3) ينظر: التحرير والتنوير 21/ 286.
(4) ينظر: أسباب النزول / 441.
(5) الكشاف 4/ 79.
(6) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 224.