وهي اسم من التناجي لا تكون إلاّ خفية فما معنى قوله (وأسروا) قلت: معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون" [1] ."
وقوله - سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من (الواو) في (أسروا) منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به [2] ، أو هو مبتدأ خبره (أسروا النجوى) [3] قدم عليه لغرض الإهتمام به، والمعنى (:(هم أسروا النجوى) وقد وضع الموصول موضع الضمير تسجيلًا على فعلهم بكونه ظلمًا [4] ، ولِما في الموصول من الإيماء إلى سبب تناجيهم بما ذكروا [5] .
وجملة {هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} جملة اختلف في توجيهها، إذ ذهب الزجاج [6] وابن هشام [7] إلى أنها جملة مفسرة بينت حقيقة ما تناجوا به، في حين ذهب الزمخشري إلى أنها تحتمل البدلية أو النصب بقول مقدر [8] ، وقد وافقه في ذلك البيضاوي [9] ، وأبو السعود [10] ، في حين حكى صاحب ائتلاف النصرة هذه المسألة على أنها من المسائل الخلافية التي حملها البصريون على التفسير ووجهها الكوفيون على البدلية، لأن ما فيه معنى القول يعمل في المحل [11] .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الإستفهام فيها قد أفاد معنى التعجب والمعنى عليه كيف خُصَّ بالنبوة من دونكم مع مماثلته لكم في البشرية [12] ، وذهب أبو السعود إلى أن (هل) في الجملة قد خرجت إلى معنى النفي والتقدير: (ما هذا الا بشر مثلكم) أي من جنسكم [13] .
وقد أطلق الأتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة لأن الأتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه [14] ، ويجوز أن يراد بالأتيان هنا حضور مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - لسماع دعوته فجعلوه اتيانًا، لأن غالب حضور المجالس يكون بإتيان اليها [15] .
(1) الكشاف 2/ 561.
(2) م. ن.
(3) ينظر: البحر المحيط 7/ 408.
(4) ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4/ 82.
(5) ينظر: التحرير والتنوير 17/ 13.
(6) معاني القرآن واعرابه 3/ 311.
(7) مغني اللبيب 2/ 399.
(8) الكشاف 2/ 561.
(9) أنوار التنزيل وأسرار التأويل 4/ 82.
(10) ارشاد العقل السليم 4/ 322 ـ 323.
(11) ائتلاف النصرة / 98 ـ 99.
(12) ينظر: البحر المحيط 7/ 408.
(13) ينظر: ارشاد العقل السليم 4/ 323.
(14) ينظر: التحرير والتنوير 17/ 14.
(15) م. ن.