مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا قد صُدّرت بأداة التفسير (أَنْ) وقد نصَّ على وظيفة الأداة هذه الأخفش الأوسط [1] (ت 215 هـ) ، وتابعه في ذلك من المحدثين ابن عاشور [2] ، في حين جوّز الزمخشري [3] ، والعكبري [4] ، وأبو حيان [5] ، كونها تفسيرية، واحتملوا كونها مخففة من الثقيلة.
والذي يبدو للباحث أن السياق يرشح كونها تفسيرية، إذ صُدّرت الآية بلفظ النداء الذي يحتاج إلى تفسير وبيان، فضلًا عن توافر شروط (أَنْ) التفسيرية في هذه الأداة، فهي مسبوقة بجملة محتوية على فعل فيه معنى القول من دون حروفه، وهو الفعل
(نادى) . هذا فضلًا عن أَنَّ (أَنْ) المخففة تسبق في العادة بفعل يدل على اليقين، وهو غير موجود في الآية، كما أن عدّها مخففة يتطلب تقدير محذوف وهو اسمها، والأخذ بظاهر النص ـ كما هو معلوم ـ أولى من التقدير، ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
وقد أفادت الجملة الخبرية التفسيرية {أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} لازم المعنى وهو اغتباط أهل الجنة بفوزهم، وتنغيص اعدائهم باعلامهم برفاهية حالهم، وعليه فالمعنى الكنائي هو المقصود الأساس في الخطاب، إذ ليس المقصود بأن يعلم أهل النار بما حصل لأهل الجنة، ولكن القصد ما يلزم عن ذلك [6] .
وقد صُدّرت جملة التفسير الماضية بالأداة (قد) بقصد تقوية المعنى وتوكيده [7] .
وقد عطفت جملة {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} بالفاء على الجملة التفسيرية، فهي لا محل لها من الإعراب أيضًا [8] ، وبهذا تكون الجملة التفسيرية قد امتدت بالعطف لتغطي مجمل دلالة النداء.
(1) معاني القرآن 2/ 299.
(2) التحرير والتنوير 8/ 136.
(3) الكشاف 2/ 80.
(4) التبيان 1/ 570.
(5) البحر المحيط 5/ 56.
(6) ينظر: التحرير والتنوير 8/ 136.
(7) ينظر: شرح الرضي على الكافية 4/ 444.
(8) ينظر: الجدول 8/ 417.