وقد ذكر في علّة ذكر مفعول الفعل (وعد) في الجملة الأولى وحذفه في الثانية عدة أوجه، فقيل: للتخفيف [1] ، وقيل ذكر في الجملة الأولى لاستبشار أهل الجنة بحصول موعودهم [2] ، وقيل حذف المفعول في الثانية لإسقاط الكافر عن رتبة التشريف بالخطاب عن الوعد [3] .
وأمّا الموضع الثاني:
للجملة المفسرة الماضية فهو قوله - سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 8] . فقد وردت هذه الآية في سياق بيان الخطاب الإلهي الذي تلقاه سيدنا موسى - عليه السلام - في أثناء عودته بأهله من مَدْين إلى مصر [4] ، وقد صُدّرت الجملة المفسِّرة بالفعل الماضي المبني للمجهول، لأن فاعل البركة معلوم ضرورة، وقد سُبق الفعل بـ (أَنْ) "المفسِّرة، لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى: قيل له: بورك" [5] .
ومن الجدير بالذكر أنه قد عبّر عن المباركة بصيغة الماضي المبني للمجهول في قوله (بورك) مع أن السياق هو سياق الحال إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن زمن النداء الذي تلقاه سيدنا موسى - عليه السلام - هو نفس زمن مجيئه إلى الشجرة، ولعل السبب في ذلك هو الإشارة إلى أن المباركة بما تضمنته من معانٍ أمر حاصل ومتحقق لا محالة [6] ، وعليه فالزمن النحوي لصيغة (بورك) هو الحضور بدليل السياق العام للآية.
واختلف في المراد من قوله - سبحانه وتعالى: {بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} ، فقيل: إن (بورك) بمعنى (تبارك) ، و (النار) بمعنى (النور) ، والمعنى: تبارك من في النور، وذلك هو الله - سبحانه وتعالى - [7] ، وقيل: مكان النار ومن حولها [8] ، وقيل: المراد الشجرة
(1) ينظر: الكشاف 2/ 106، والتبيان 1/ 570.
(2) ينظر: البحر المحيط 5/ 55.
(3) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 167.
(4) ينظر: جامع البيان 19/ 152.
(5) التفسير الكبير 24/ 182، وينظر: الكشاف 3/ 137، والتحرير والتنوير 19/ 226.
(6) ينظر: الزمن في النحو العربي / 114.
(7) ينظر: جامع البيان 19/ 153، والتفسير الكبير 24/ 182.
(8) ينظر: الكشاف 3/ 137.