ثالثًا: الجملة الشرطية:
وردت الجملة الشرطية مفسرة لضمير الشأن في مواضع عديدة [1] من القرآن الكريم وتشكلت في سياقات متنوعة منها ما ورد في سياق التهديد الذي تمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72] .
إذ ابتدأت الآية بذكر قبائح النصارى وابطال ما هم عليه [2] ، ليتناسب ذلك مع الإنتهاء في الآية السابقة المتضمنة ابطال ما عليه اليهود [3] ، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى:
{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] .
ويلحظ أن قوله - سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ} جملة جاءت لمزيد تقبيح حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عمّا أصروا عليه فقد قالوا إنَّ مريم ولدت إلهًا [4] ، وقال المسيح - عليه السلام - رادًا عليهم {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} فإني عبد مربوب مثلكم فأعبدوا خالقي وخالقكم [5] ؛ ولمّا كان الشرك أمرًا عظيمًا وظلمًا كبيرًا عند الله - سبحانه وتعالى - عبر عنه بأسلوب الإضمار والتفسير، إذ تقدم ضمير الشأن [6] الجملة المفسرة له المؤلفة من فعل الشرط وجوابه بقصد تفخيم مضمونها بما يتناسب مع حقيقة ما أقدموا عليه لأن الشرك أمر وصفه الله بأنه ظلم عظيم، فقد قال - سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لإِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] والمعنى بناءًا على ذلك إن الشأن (من يشرك بالله) أي شيءٍ في عبادته أو فيما يختص به من صفات الآلوهية، فقد حرّم الله عليه الجنة لأنها دار الموحدين [7] .
(1) ينظر على سبيل المثال أيضًا السور: الأنعام / 54، والتوبة / 63، وغافر / 12، والجن / 19.
(2) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 304.
(3) ينظر: التحرير والتنوير 6/ 280.
(4) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 304.
(5) ينظر: البحر المحيط 4/ 329، وإرشاد العقل السليم 2/ 304.
(6) ينظر: إرشاد العقل السليم 2/ 304، والتحرير والتنوير 6/ 281.
(7) ينظر: الكشاف 1/ 634.