ويلحظ أن قوله - سبحانه وتعالى: {لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} جملة فعلية مضارعة قد فسرت ضمير الشأن [1] ، الذي جيء به ليشير إلى حجم الحزن الذي أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جراء تكذيب قومه له وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يعهد عليه الكذب قط [2] ، وتصدير الخطاب بهذا الضمير أدعى إلى بيان حجم هذا الحزن الذي بلغ منه - صلى الله عليه وسلم - كل مبلغ [3] ، كما أن عظمة هذا الأمر عند الله - سبحانه وتعالى - استدعت التمهيد بذلك الضمير إذ أن القصد من تقديمه أولًا بما يحمله من ابهام ثم تفسيره ثانيًا هو اكبار ذلك الفعل الصادر منهم لا يكذبون النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة، بل يكذبون الله بجحودهم آياته [4] ، كما أشار إلى ذلك سبب النزول، ولذلك جاء الأمر الإلهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن"إلهَ حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه" [5] .
ويلحظ أيضًا أن في قوله - سبحانه وتعالى: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} قد أقيم الظاهر (الظالمين) مقام المضمر تنبيهًا على أن علة الجحود هي الظلم [6] ، وهو مجاوزة الحد في الإعتداء [7] ، إذ يعد جحودهم هذا فنًّا من فنونه [8] ، كما أن الالتفات إلى الأسم الجليل (الله) قصد منه استعظام ما أقدموا عليه من جحود لآيات الله، وقد أورد الجحود مورد التكذيب للإيذان بأن آيات الله - سبحانه وتعالى - من الوضوح بحيث لا يخفى صدقها على أحد وأن من ينكرها إنما يفعل ذلك بطريق الجحود الذي هو إنكار الشيء مع علمه بخلافه [9] .
(1) ينظر: الكشاف 2/ 14، وارشاد العقل السليم 12/ 375.
(2) ينظر: تعاقب الظاهر والمضمر في القرآن الكريم (رسالة ماجستير) / 155.
(3) م. ن.
(4) ينظر: الكشاف 2/ 14.
(5) م. ن.
(6) ينظر: الكشاف 2/ 15.
(7) ينظر: المفردات في غريب القرآن / 315، والبحر المحيط 4/ 489.
(8) ينظر: ارشاد العقل السليم 2/ 375.
(9) ارشاد العقل السليم 2/ 375.