بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
[التغابن: 5، 6] إذ ابتدأ النص بالإيماء إلى عذاب دنيوي وآخر أخروي لوّح بهما لقريش في حالة أنهم تلقوا نبيهم بمثل ما تلقت الأمم السابقة انبياءها [1] ، وفي قوله
(ذلك) إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقته الأمم السابقة في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة [2] ، والباء في قوله (بأنه) سببية [3] ، والضمير فيها ضمير الشأن [4] ، الذي تقدم الجملة المفسرة وهي جملة (كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) بقصد تهويل مضمونها الذي مفاده هو أن الكافرين أنكروا أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشرًا ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرًا فكفروا وتولوا فأصابهم ما أصابهم بكفرهم [5] .
ويلحظ أن الإستفهام في قوله (أبشر) استفهام إنكار وإبطال، فهم أحالوا أن يكون بشر مثلهم يهدونهم لإعتقادهم بأنهم يماثلونهم في البشرية، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس [6] . وقد تقدم المسند إليه (بشر) على المسند (يهدوننا) بقصد تقوية الإنكار وما قالوا ذلك حتى اعتقدوه، فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم [7] .
ويلحظ أيضًا أن في - سبحانه وتعالى: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} إطلاق قصد منه الإعمام ليتناول كل شيء ومن جملته ايمانهم وطاعتهم [8] .
كذلك ورد على هذا النمط قوله - سبحانه وتعالى - في سياق التسرية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
[الأنعام: 33] ، إذ روى الترمذي والحاكم عن علي - رضي الله عنه - أنَّ أبا جهل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنّا لا نكذبك ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [9] ، والآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاد الضمير في قوله - سبحانه وتعالى: {الَّذِي يَقُولُونَ} إلى الكفار واللفظ يعم جميع أقوالهم الباطلة التي بضمنها التكذيب [10] .
(1) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 268.
(2) ينظر: الكشاف 4/ 114.
(3) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 256.
(4) ينظر اعراب القرآن، للنحاس 3/ 444، والكشاف 4/ 114، والبحر المحيط 10/ 189.
(5) ينظر: التفسير الكبير 30/ 21.
(6) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 269.
(7) م. ن.
(8) ينظر: الكشاف 4/ 114.
(9) ينظر: سنن الترمذي 5/ 261 (كتاب تفسير القرآن) ، والمستدرك على الصحيحين 2/ 345،
وأسباب النزول، للواحدي / 123.
(10) ينظر: المحرر الوجيز616.