ثانيًا: الجملة الفعلية:
وردت الجملة الفعلية مفسرة لضمير الشأن في سياقات متنوعة وتشكلت من الجملة الفعلية الماضية والمضارعة، ومن ذلك [1] ما ورد في قوله - سبحانه وتعالى: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76] .
إذ يلحظ أن قوله (يا ابراهيم) مقول قول محذوف حذف ايجازًا [2] ، أي قالت له الملائكة أعرض عن هذا [3] ، والإشارة (بهذا) إلى الجدال والمحاورة في شيء مفروغ منه [4] هو نزول العذاب، ولما كان ما بعد هذا الكلام أمرًا عظيمًا شأنه صدرت الجملة الفعلية الماضية بضمير الشأن [5] الذي أفاد بدوره تفخيم مضمونها، وقد أدت هذه الجملة بدورها تفسير ذلك الضمير وايضاحه، وقد أكدت الجملة المفسرة لضمير الشأن بمؤكدين، الأول الحرف (قد) ، والثاني الفعل الماضي (جاء) المعبر به عن المستقبل للدلالة على حتمية وقوع القضاء الذي قضاه الله - سبحانه وتعالى - على قوم لوط [6] ، ولينفي بذلك أدنى احتمال قد يترجح لدى سيدنا ابراهيم - عليه السلام - في رفع هذا العذاب نتيجة محاورته ومجادلته لرسل الله، وذهب ابن عاشور إلى أن الجملة المفسرة إذا كانت من كلام الله وليست من كلام الملائكة فقوله (أمر ربك) اظهار في مقام الإضمار قصد منه ادخال الروع في ضمير السامع [7] .
ويلحظ أيضًا في - سبحانه وتعالى: {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} تقرير لِما سبق بيانه وتأكيده في نفس سيدنا ابراهيم - عليه السلام - حتى يتيقن أن هذا أمر لا رجعة فيه لا بدعاء ولا بغيره [8] .
وبالمثل ورد هذا النمط في سياق التهديد الذي تمثل في قوله - سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ
(1) ينظر على سبيل المثال أيضًا السور: يوسف /87، والمؤمنون / 108، 109، والجن / 11، 19.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 12/ 124.
(3) ينظر: الكشاف 2/ 282.
(4) ينظر: البحر المحيط 6/ 185.
(5) ينظر: ارشاد العقل السليم 3/ 335، وروح المعاني 12/ 104.
(6) ينظر: البحر المحيط 6/ 185.
(7) ينظر: التحرير والتنوير 12/ 124.
(8) ينظر: ارشاد العقل السليم 3/ 335.