فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 176

تضمنته من معاني التوحيد، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ) ) [1] .

ويلحظ أن السورة افتتحت بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعده [2] ، وصدرت جملة مقول القول بضمير الشأن قصد التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها وجلالة الخبر مع ما فيه من زيادة تحقيق وتقرير، إذ أن الضمير لا يُفهم منه أول الأمر إلاّ شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبًا لما بعده مما يفسره ويزيل ابهامه [3] ، فجاءت جملة الخبر المكونة من المبتدأ (الله) والخبر (أحد) لتؤدي تلك الوظيفة [4] .

ويلحظ أيضًا في هذه الجملة أنها ابتدأت بلفظ الجلالة وهو علم على الذات العلية قصد استحضار جميع صفاته - جل جلاله - عند التخاطب [5] ، وعُدِلَ عن اسم الفاعل إلى الصفة المشبهة في الاخبار فقال (أَحد) ولم يقُل (واحد) لأنها تفيد تمكن الوصف في موصوفها، وهو تمكن ذاتي لا تؤديه وظيفة اسم الفاعل [6] ،وجاءت جملة (الله الصمد) خبرًا ثانيًا عن ضمير الشأن، وقد فصلت عن التي قبلها؛ لأن هذه الجمل مسوقة لتلقين السامعين مفاهيم التوحيد فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها، ولهذا الاعتبار وقع اظهار اسم الجلالة في قوله - سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} وكان مقتضى الظاهر أن يقال: (هو الصمد) [7] .

وذهب أبو السعود إلى أن تعرية هذه الجملة عن العاطف بسبب كونها كالنتيجة للأولى، إذ بيّن أولًا آلوهيته - عز وجل - المستتبعة بكافة نعوت الكمال، ثم أحديته الموجبة تنزهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجه من الوجوه وتوهم المشاركة في الحقيقة، ثمَّ صمديته المقتضية لإستغنائه الذاتي عن سواه وافتقار جميع المخلوقات إليه في وجودها [8] .

(1) صحيح البخاري 3/ 230 (باب فضائل القرآن) .

(2) ينظر: التحرير والتنوير 30/ 612.

(3) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 487.

(4) ينظر: اعراب القرآن، للنحاس 3/ 787، والكشاف 4/ 298، والبيان 2/ 545.

(5) ينظر: التحرير والتنوير 30/ 613.

(6) م. ن 30/ 614، وينظر: معاني الأبنية / 74.

(7) ينظر: البحر المحيط 10/ 571، والتحرير والتنوير 30/ 617.

(8) ينظر: البحر المحيط 10/ 570 ـ 571، وارشاد العقل السليم 6/ 488.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت