الاستئنافية قصد تفخيم شأن تلك الواقعة وتعظيم أمرها، إذ أن الشيء إذا كان مبهمًا تطلعت إلى فهمه النفوس وتشوقت إلى معرفته فتذهب في تصوره كل مذهب، فإذا ما فسر بعد ذلك تمكن في النفس أفضل التمكن [1] .
ويلحظ في السياق استعمال الفعل الماضي في معنى الاستقبال في قوله (ما أصابهم) [2] ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال (انه مصيبها ما يصيبهم) لأن العذاب لم يقع بعد، ولعل السبب في هذا العدول هو التنبيه على تحقق نزول العذاب بهم وأنه أمر لا مفر منه ومثله في ذلك قوله - سبحانه وتعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل /1] إذ أنزل المستقبل منزلة الماضي للدلالة على حتمية وقوع الحدث [3] .
ويلحظ أيضًا أن جملة (إنَّ موعدهم الصبح) مستأنفة، قطعت عما قبلها لغرض الاهتمام بالحدث وتهويله، و (الموعد) فيها هو وقت نزول العذاب عليهم [4] ، وفي قوله - سبحانه وتعالى: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} استئناف بياني صدر من الملائكة جوابًا عن سؤال كان يجيش في نفس سيدنا لوط - عليه السلام - بسبب استبطائه نزول العذاب عليهم [5] .
كذلك يمكن ملاحظة هذا النمط من الجمل في ما ورد في سياق التقرير الذي تمثل بقوله - سبحانه وتعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ} [الاخلاص: 1 ـ 2] إذ تعد هذه السورة من قصار سور النص القرآني وهي مع قصر آياتها تناولت أخطر مسألة في الدين الإسلامي ألا وهي مسألة الإعتقاد [6] ، الذي يشكل ثلث القرآن الكريم، إذ من المعلوم أن القرآن الكريم تتوزعه ثلاثة جوانب: تشريعية وعقائدية وأخبار السابقين [7] ، ولما كان الاعتقاد يشغل ثلث القرآن الكريم وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنها تعدل ثلث القرآن لما
(1) ينظر: الطراز 2/ 142، ومعاني النحو 1/ 63.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 12/ 133.
(3) ينظر: معاني الماضي في القرآن الكريم، لحامد عبد القادر، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،
ج 10، لسنة 1958/ 71.
(4) ينظر: التحرير والتنوير 12/ 133.
(5) م. ن.
(6) ينظر: تعاقب الظاهر المضمر في القرآن الكريم ـ دراسة نحوية بلاغية ـ (رسالة ماجستي) /163.
(7) ينظر: الفهرس الموضوعي لآيات القرآن الكريم / 7.