ويلحظ أيضًا أن قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} تعليل لجملة {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [1] ، ولمّا كان أمر التقوى والصبر شيئًا عظيمًا لا يستطيعه كل واحد صدرت الجملة بضمير الشأن [2] الدال على عظمة ما بعده من كلام، فقد أعطى هذا الضمير الجملة المفسرة بعده المكونة من فعل الشرط وجوابه [3] ، مزيد عناية واهتمام وترقب من السامع لأنه في تقدمه يجعل السامع يذهب في تصور مضمون ما بعده كل مذهب مما يجعل للجملة المفسرة بعده وقعًا عظيمًا في النفس.
ومما تجدر الإشارة إليه أن سيدنا يوسف - عليه السلام - أراد بقوله: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} تعليم أخوته وسائل التعرض إلى نعم الله - سبحانه وتعالى - وحثهم على التقوى والتخلق بالصبر [4] ، وفي قوله هذا تعريض بهم بأنهم لم يتقوا الله فيه ولا في أخيه وهذا من تفانين الخطاب إذ يغتنم الواعظ الفرصة المناسبة لإلقاء موعظته وهي لحظة تأثر السامع وانفعاله بظهور شواهد صدق الواعظ في الموعظة [5] .
ويلحظ أيضًا أنه وُضع الظاهر وهو قوله (المحسنين) موضع المضمر في قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} تنبيهًا على أن المحسن هو من جمع بين التقوى والصبر [6] .
وبالمثل أيضًا ورد هذا الإستعمال في سياق المحاورة التي جرت بين فرعون والسحرة وذلك في قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا} [طه: 74] إذ تحكي الآية قول السحرة لفرعون بعد ايمانهم بالله - سبحانه وتعالى - على إثر ما رأوا من الآيات البينات على يد سيدنا موسى - عليه السلام - [7] ، وفي قوله - سبحانه وتعالى: ... {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} ،
(1) ينظر: التحرير والتنوير 13/ 49.
(2) ينظر: مشكل إعراب القرآن 1/ 391.
(3) ينظر: مشكل إعراب القرآن 1/ 391، والتبيان 2/ 744.
(4) ينظر: التحرير والتنوير 13/ 49.
(5) م. ن.
(6) ينظر: الكشاف 2/ 342، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 3/ 307.
(7) ينظر: البحر المحيط 7/ 360.