فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 332

ذلك ، لأنه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ جاء إلى الإنسانية حين بلغت رشدها ، وحين أراد اللّه سبحانه وتعالى لها أن تستقلّ بوجودها ، وأن تستقيم على الطريق الذي يمليه عليها تفكيرها ..

إن الإنسانية ـ وقت البعثة المحمدية ـ كانت قد جاوزت طور الصبا ، وبلغت أشدها ورشدها ، وأصبحت بهذا جديرة بأن تستقلَّ بنفسها ، وأن تستهديَ بما أودع اللّه تعالى فيها من عقل ، وبما حملت إليها السماء من وصايا.

كانت رسالات الرسل ـ عليهم السلام ـ قبل البعثة المحمدية ، رسالات « محلية » أشبه بالوصاية على الصغار .. يظهر الرسول في جماعة من الجماعات ، أو بيت من البيوت ، يقيم لهم وجودهم المعوج ، ويضيء لهم طريقهم المظلم ، ثم لا يلبث أن يخلفه عليهم رسول ، يخلفه رسول .. وهكذا .. حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، وأراد اللّه سبحانه للناس أن يستقلُّوا بوجودهم ، وأن يفكروا لأنفسهم بأنفسهم ، بعد أن بلغوا رشدهم ، وأصبحوا في عداد الرجال ـ جاءت رسالة الإسلام ، يحملها رسولها الأمين .. محمد بن عبد اللّه .. رسول اللّه ، وخاتم النبيين ..صلوات الله وسلامه عليه

ومن هنا ندرك السرَّ في أن الرسالة الإسلامية ، كانت رسالة « عقلية » تخاطب العقل ، وتجيء لإقناعه عن طريق الحجة القائمة على البراهين الاستدلالية ، التي يستقيم عليها تفكير الناس جميعا .. عامتهم وخاصتهم على السواء ..

إن الرسالة الإسلامية ، لم تستند إلى معجزة قاهرة ، تطغى على عقول الناس ، وتغتال تفكيرهم ، وتشلَّ إرادتهم ، وتضعهم أمام أمر ملزم لا فكاك لهم منه ..

فماذا يفعل العقل إزاء عصا موسى ـ عليه السلام ـ وهو يضرب بها البحر ، فتنشق من بطنه طريق يبس ؟ أو ماذا يقول العقل إزاء هذه العصا حين يضرب بها الحجر ـ أيُّ حجر ـ فتسيل منه عيون الماء ، وتتفجر ينابيعه ؟ وماذا يقول العقل في كلمة عيسى عليه السلام ، حين ينطق بها ، آمرا الأكمه ، أن يبرأ ، فيبرأ ، وداعيا الأبرص ، أن يذهب عنه البرص ، فيذهب ؟ بل ماذا يقول العقل في تلك الكلمة تخرج من فم عيسى فيحيى بها الموتى ؟ إنه لا مكان للعقل هنا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت